كواكب براقة في فلك الكتابة🪐🌌 تقصي أثر اضطراب التوحد عند الأدباء. نشرة مرجع التدوين البريدية - العدد 104

13 أبريل 2026 بواسطة مرجع التدوين #العدد 104 عرض في المتصفح


 غالية الجهني  

في مطلع هذا الشهر حل اليوم العالمي للتوحد وألفيت في نفسي رغبةً عارمة لكتابة مقال يتتبع آثاره الأدبية لا سيما بعد تشخيص ابني مؤخراً بالإصابة به.

هناك الكثير من المؤلفات عن التوحد وبمختلف التصنيفات؛ ناهيك عن الكتب العلمية والعلاجية، يوجد العديد من الروايات والقصائد والمذكرات التي كتبها أشخاص عاشوا التوحد أو عايشوه مع قريب لهم. لست بصدد تعداد ما تحويه رفوف هذه المكتبة الثرية بل أنوي التركيز على الأشخاص (الأطياف) الذين كتبوها، على سبيل استشراف المستقبل الذي ينتظرني مع طفلي.

إن الكتابة وسيلة للتأقلم مع معطيات الحياة، وإني أكتب ليطمئن قلبي جرّاء الفهم الذي تخلقه الكتابة أو تستدعيه. يقال أن القلب المطمئن لا يكتب، وأقول أن على القلب أن يكتب ليطمئن. تماماً كما تقول مي منسى في رواية أنتعل الغبار وأمشي "لجأت إلى الكتابة كمن يستلقي على كنبة محلل نفساني".

إلى جانب الكتابة تأتي القراءة، الصديقة وقت الضيق، كي لا أمكث طويلاً مع قلقي وظنوني. أشارك معكم هنا حصيلة الأسبوع الماضي مما قرأت وأحببت عن اضطراب التوحد في كنف  الكتابة. 
من المعاصرين ذوي التنوع العصبي الكاتب باتريك جاسبر لي، وهو مؤلف وموسيقي ومتحدث، له كتاب بعنوان My Signals عن تجربته مع التوحد. جدير بالذكر أن زوجته آن كذلك كاتبة توحدية. في مقاله الرائع (هل كان جيمس جويس وفيرجينيا وولف وإميلي برونتي ولويس كارول ضمن طيف التوحد؟) تحدث عن صعوبات النشر على الكتاب المختلفين مثله. 

يلاحظ باتريك أن الماضي شهد عدة أدباء بأنماط توحدية أكثر مما في عصرنا الحالي. يعود هذا، حسب تجربته، إلى التحديات في صناعة النشر والتي تزداد صعوبة "أشبه بالمشي في حقل ألغام" على الكاتب التوحدي؛ حيث لا تزال الأحكام المسبقة تلقي بظلالها على قدراته المهنية والاجتماعية "في عالم صار يطالب الكاتب أن يكون مسوّقاً قبل أن يكون مبدعاً". كما ينصح الكتاب بالتزام الصمت فيما يتعلق بحالتهم النفسية إذا أرادوا نشر كتبهم "وهذا بالضبط ما فعلته عندما نشرت كتابي الأول".

رب ضارة نافعة هو المثل الذي سيخطر على بالك وأنت تقرأ هذا المقال. لقد رفع من معنوياتي احتفاء هذا الكاتب التوحدي الفخور بقدراته المميزة "لو لم أكن على الطيف، لما تمكنت من حقن الكثير من التفاصيل في شخصيات روايتي".

مقال مهم أيضاً لكاتب توحدي آخر، برادلي جاي أيريش، كتبه رداً على تصريحات وزير الصحة الأمريكي المسيئة حين وصف التوحد ب"وباء" و"مأساة فردية" "تدمر العائلات"، وأن العديد من المصابين "لن يدفعوا الضرائب أبداً ولن يشغلوا وظيفة أبداً ولن يلعبوا البيسبول أبداً ولن يكتبوا قصيدة أبداً ولن يخرجوا أبداً في موعد". يكتب برادلي "بصفتي أستاذاً في الأدب الإنجليزي مصاباً بالتوحد، انزعجت بشكل خاص من رأي كينيدي المنافي للحقيقة أن العديد من التوحديين لن يكتبوا الشعر أبداً ".

الغضب واضح من عنوان المقال: (قال روبرت كينيدي الابن إن العديد من المصابين بالتوحد لن يكتبوا قصيدة أبداً على الرغم من وجود تاريخ غني من الشعراء والكتاب المتباينين عصبياً). 

بعد سرد ممتع لعدة شعراء تستنتج أن الأشخاص ضمن طيف التوحد، نتيجة اختلاف طريقة إدراكهم للعالم، ليسوا قادرين فقط على كتابة الشعر بل على توسيع إمكانيات الشعر نفسه.

أدباء معاصرون مصابون بالتوحد: 

يستطيع الشعراء المتوحدون الكتابة عن كل وأي شيء، لكنهم يبدعون عندما يتناولون قضية اندماجهم مع المجتمع الذي يصنفهم غالباً أقل من بقية أطيافه. 

🔸ديفيد ميدزيانيك.

شاعر وكاتب إنجليزي تصور كتاباته الجوانب الأكثر صعوبة في التوحد. تركز معظم قصائده على الصعوبات الاجتماعية التي يواجهها. نشر عدة دواوين: "آمل أن ترغب بي بعض الفتيات بعد قراءة كل هذا" - "إزاحة العبء عن ذهني" - "والآن كل ما تبقى لي هو نفسي".

🔸آدم ولفوند.

شاعر وفنان متوحد عاجز عن النطق. له قصيدة على اليوتيوب بعنوان: ماذا لو كان جسدي منارةً للعالم؟ What if My Body is a Beacon for the World ?

🔸تيتو موكوبادياي. 

كاتب وشاعر هندي يعد من أبرز الأصوات الأدبية المرتبطة باضطراب طيف التوحد. يعتبر الكتابة وسيلته الأساسية للتواصل مع العالم. اقتبس هذا النص من قصيدته "غير مناسب":

كانت يدي، كالعادة، ترفرفعرفت الطيور أنني مصاب بالتوحدلم يجدوا أي خطأ في ذلك.

كم أتمنى حلقةً من بودكاست أسمار يتحدث مقدموها عن التوحد في الشعر العربي؛ أرجح ورود عدة أسماء يغلب على أصحابها سمات توحدية. من واقع بحثي، انعدمت المراجع العربية في هذا المجال.

أدباء من الماضي (ربما) مصابون بالتوحد:

لا يمكننا الجزم عند الحديث عن أدباء ما قبل منتصف القرن العشرين، أي ما قبل صياغة مصطلح التوحد، لكن يمكننا التكهن بناءاً على سيرهم وأخبارهم التي أوردت صفات وتصرفات، لو كانوا بين ظهرانينا اليوم، لأدت بالتأكيد إلى تشخيصهم باضطراب التوحد.

🔹فرجينيا وولف.

استغرقت وقتاً أطول من الطفل العادي لتتعلم كيفية التحدث، وعانت فقدان الشهية ولم تستطع التواصل بصرياً مع الآخرين. كما كانت خجولة جداً ومنعزلة خاصةً أيام مراهقتها.  

🔹إميلي ديكنسون.

كان لديها خلل في المعالجة الحسية، أي في قدرة الدماغ على التعامل مع مدخلات الحواس، مع انعزال عن المجتمع وقدرات لغوية استثنائية.

🔹فرانز كافكا.

بدل البحث عن سمات التوحد في حياة كافكا لنلقي نظرة على كتاباته المليئة بها. بالنسبة لي لا أستطيع تخطي قصة (فنان الجوع). إنها باختصار عن رجل محبوس في قفص يمتنع عن تناول الطعام لعدة أيام متتوالية بينما يشاهده جمهور محتار لا يفهم لماذا لا يأكل؛ في نهاية القصة يفسر الرجل، محتضراً، سبب صيامه "لأنني لم أعثر على الطعام الذي أشتهيه". أتذكر صدمتي عندما وصلت إلى نهاية القصة لدرجة رمي الكتاب بعيداً عني، وقتها لم أكن أعلم أن الانتقائية في الأكل من أبرز سمات التوحد وأنها ستصبح أكبر مشكلاتي مع ساري.

إن السمة المشتركة بين هؤلاء الأدباء والأكثر ارتباطاً بالتوحد هي التفاني في الكتابة إلى حد الهوس. يقول هؤلاء الكتّاب ما لا يمكننا قوله نيابةً عنا، وهذا يمكن أن يكون سمةً أخرى.

هناك اقتباس يقول بأن التوحد لا يحتاج إلى إصلاح، وأن الفهم هو ما يحتاجه. استشعرت حقيقة هذا وأنا أتعرف سمات التوحد في كتّاب أحب القراءة لهم، ولو أتيح لي شرب القهوة مع كاتبي المفضل لاخترت صحبتهم بسعادة والجلوس معهم حول طاولة واحدة، نرتشف الشاي أو نحتسي القهوة. كم هي مريحة القراءة عن أشخاص لم يمنعهم التوحد من فهم أنفسهم وفهم العالم من حولهم، بل ذهبوا أبعد من هذا بأن شرحوا لنا أفكارهم والعالم عبر كتاباتهم. 

***

◀️📺 تلفزيون مرجع التدوين:

ترغب بظهور كتاباتك في تلفزيون المرجع؟اشترك معنا ودع الباقي علينا.

أبو دفعة:

🔹مدونة إيمان القويفلي:

قصت إيمان عشر سنوات تراقب ظاهرة النوستالجيا وخرجت لنا بهذا المقال المميز عنها وعن توظيف الحنين في الاستهلاك.

تدوينة: اقتصاديات الحنين.

🔹مدونة أحمد قربان:

يقدم أحمد مراجعة لجهاز Boox Note Air3 C وتجربته معه التي أدت لاقتنائه. 

تدوينة: تجربتي مع جهاز الحبر الالكتروني المشابه لRemarkable تقييمي له وآلية ترتيبي للمذكرات. 

🔹مدونة تهاني الهاجري:

عدة طرق لكسب المال عن طريق الانترنت تكتبها تهاني في هذه التدوينة: ٧ أفكار لمساعدتك على جني الربح من غرفتك

🔹مدونة منيرة سعود:

بعد حدث مؤلم غالباً لا نتجاوزه بقدر ما نتعلم التعايش معه. هذه فكرة منيرة التي كتبت عنها عقب تجربة فقد موجعة.

تدوينة: هي المنزل ولو غيرنا المنزل.

يمكنك الاشتراك في خدمة مرجع التدوين للنشر التلقائي والاطلاع على المدونات المشتركة فيها من خلال الرابط:

مرجع التدوين | Linktree

***

▶️ تابع مرجع التدوين على:

منصة قهوني وتصفّح الباقتين وكن شريك في رحلة مرجع التدوين.
تابعنا على انستغرام
***

◀️ 🎙️بودكاست العدد:

ضيف هذه الحلقة من بودكاست فنجان هو أب عاش تجربة قاسية مع إصابة ابنه بالتوحد، ودخل في حالة من الحزن والاكتئاب قبل أن يتقبل هذا الابتلاء ويتعايش معه. الضيف هو صالح التويجري الذي دفعه توحد ابنه إلى الكتابة وفتح حساب على منصة X.

عنوان الحلقة: رحلتي مع ابني جسار في التوحد والاكتئاب.

متابعة ممتعة ونافعة ✨💡

***

📩للتواصل والإعلان:

[email protected]

م. طارق الموصللي1 أعجبهم العدد
مشاركة
نشرة مرجع التدوين البريدية

نشرة مرجع التدوين البريدية

نشرة أسبوعية تهم المدونين والقرّاء وكل من يود أن يبدأ الكتابة. نشارك بها مواضيع متنوعة عن الكتابة والتدوين، الأفكار والخيال، والتجارب الملهمة لأقلام الكتّاب.

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة مرجع التدوين البريدية