|
|
|
هي كانت بداية العام الذي يُغاث فيه الناس وفيه يُعصرون، وإعلانًا لانتهاء خمس سنوات عجاف، كنا خلالها نملك الكثير من الأفكار، والفرح، والتخطيط للمستقبل القريب، والتعب من طول الانتظار.
|
|
|
بدأت القصة عندما اتصل بي المستشفى عند الساعة السادسة واثنتين وخمسين دقيقة مساء يوم الخميس.
|
|
|
قال المتصل: "ألو، أحمد؟"
|
|
|
فأجبت: "نعم."
|
|
|
فقال: "معك الدكتور راكان. للأسف، ابنتك يقين تدهورت حالتها بشكل مفاجئ، وانخفض نبض قلبها، ونحن الآن نحاول إنعاشها."
|
|
|
فرددت قائلًا: "حسنًا، في انتظار اتصالكم القادم."
|
|
|
وعند الساعة السابعة وتسع دقائق، اتصل مرة أخرى.
|
|
|
قال: "ألو، أحمد؟"
|
|
|
فأجبت: "نعم."
|
|
|
فقال: "معك الدكتور راكان. للأسف، ابنتك يقين لم تستجب لمحاولات الإنعاش، وقد نُفذ أمر الله. لقد توقفنا الآن عن الإنعاش، وتوفيت البنت، رحمها الله."
|
|
|
لا أعلم كيف أغلقت الخط، أو ماذا قلت. كل ما أذكره أنني حاولت مقاومة البكاء حتى أغلقت المكالمة.
|
|
|
وبعدها، لا إراديًا، شهقت بالبكاء، وحاولت أن أتمالك نفسي، وأن لا يعلو صوتي كي لا أفزع زوجتي وابني محمد. ولحسن الحظ، لم أكن معهم في نفس الغرفة وقت الاتصال.
|
|
|
كفكفت دموعي، ثم خرجت من الغرفة وأنا أفكر: ماذا أقول لأمها؟ كيف أنعي لها الخبر؟
|
|
|
فكرت لدقائق، لكن المحصلة النهائية أنني لم أستطع التفكير.
|
|
|
ارتديت الثوب والشماغ استعدادًا للذهاب إلى المستشفى، فقالت لي:"أين تذهب؟ هل اتصل بك المستشفى؟ هل يقين بخير؟"
|
|
|
فأجبتها:"احتسبي الأجر واصبري، فقد غادرتنا يقين.اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيرًا منها."
|
|
|
اتجهت بسيارتي إلى المستشفى لاستكمال بعض الأوراق الخاصة بتسجيل واقعة الوفاة.
|
|
|
يا الله، كم من الأحزان كانت تحيط بي من كل جانب. يعلم الله أنني لم أكن مدركًا لقيادة السيارة، ولا أعلم إلى أين أنا ذاهب. كل ما كان يشغلني هو هي.
|
|
|
ماذا سأقول لمشاعري لأهدّئها؟ وماذا عساني أن أقول لتلك الأفكار والخطط الكثيرة التي رسمتها معها؟
|
|
|
يا الله، حتى صوتها رسمته وهي تلهيني عن القيادة بكثرة الحركة مع أخيها، وأنا أزجرهما .
|
|
|
ماذا سأقول لكرسي الأطفال الخاص بالسيارة الذي جلبته لها؟ وماذا عن العربة التي سنحملها بها عند التنزه أو الخروج من المنزل؟ وماذا عن كرسي الطعام المخصص للأطفال؟ كلها جلبتها من أجلها... هذه الأغراض أصبحت الآن مصدر ألم مستمر ودائم هل أتخلص منها ؟.
|
|
|
وفي يوم الجمعة، بعد الصلاة، توجهت إلى قسم الطب الشرعي لاستلام يقين، من أجل استكمال إجراءات الدفن.
|
|
|
بعد التوقيع على الكثير من الأوراق، استلمت جثمانها. وعند حملها لأول مرة بعد وفاتها، ارتابتني مشاعر كثيرة ومختلطة: هل أضمّها؟ هل ستشعر بي؟ هل أقبّلها وأشمّ رائحتها للمرة الأخيرة؟
|
|
|
وضعتها بجانبي في مقعد السيارة، واتجهنا إلى مغسلة الموتى.
|
|
|
يا الله... أول مشوار لنا سويًا يكون إلى مغسلة الموتى.الحمد لله.
|
|
|
عند وصولي إلى مغسلة الموتى، حملتها ونزلت من السيارة متجهًا إلى باب الدخول. وعندما فتحوا لي الباب ودخلت المغسلة، وددت لو أرجعتها معي، فقد كان قلبي يؤلمني حزنًا على فراقها.بعد ذلك بدأنا في تغسيلها، وقبل ذلك أخذت أُقبّلها وأتحسس رأسها وشعرها، وأحاول أن أطيل النظر إليها لعلّي أُشفي شيئًا من الألم.
|
|
|
وبعد صلاة العصر، أقمنا صلاة الجنازة عليها، ثم حملتها وخرجت بها من المسجد، وركبت في سيارة الإسعاف الخاصة بمغسلة الموتى للذهاب إلى المقبرة. كان هذا ثاني مشوار لنا معًا، لكن ما يؤلمني هو أنها لن تعود معي.
|
|
|
وضعتها في حجري، ثم قمت باحتضانها، حضن الوداع، وأنا في السيارة، ودموعي كادت أن تسقط على كفنها، إلى أن نبهني سائق السيارة بضرورة أن أضعها على حجري بطريقة مناسبة حتى لا تخرج بعض السوائل من الكفن.
|
|
|
وصلنا إلى المقبرة، ثم اتجهنا إلى القبر المخصص لها. وقبل الدفن، صلّت جماعة من الناس صلاة الجنازة عليها مرة أخرى. بعد ذلك، توجهت إلى القبر، وأخذت أنظفه وأُبعد بعض الحجارة الكبيرة والأوراق التي جلبها الهواء. ثم ناولوني إياها، فوضعتها في اللحد على جنبها الأيمن، على ملة محمد ﷺ.
|
|
|
كنت أود المكوث لفترة من الوقت بعد دفنها، علّي أستوعب ما حدث، لكن حتى لا أُثقل على من جاء ليقف معي في محنتي، قررت الخروج مسرعًا بعد إتمام عملية الدفن.
|
|
|
أصعب ما في الفقد أنه يأتي بلا موعد، والأصعب أنه بلا رجوع.
|
|
|
سبحان الله منذ وقت وفاة يقين وانا لم يفارقني شطر حسان بن ثابت في وفاة النبي صل الله عليه وسلم حين قال :
|
|
|
كنتَ السوادَ لناظري
فَعَمِي عَلَيْكَ النّاظِرُ
منْ شاء بعدكَ فليمتْ
فعليكَ كنتُ أحاذرُ
|
|
|
كذلك حديث رسولنا الكريم ﷺ الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فعنها قالت: قال رسول الله ﷺ:
|
|
|
"يا أيها الناس، أيما أحد من المؤمنين أُصيب بمصيبة، فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدًا من أمتي لن يُصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي."
|
|
|
يقيني بالله أنه اختار ليقين الأفضل، فهذه الحياة الدنيا فُطرت على التعب والنَصَب، وهي دار ابتلاء. فالله، بلطفه وحكمته وعلمه، قد اختار لها الأفضل، فالحمد لله على ذلك.
|
|
|
في لحظات الحزن، لا تتجاهل مشاعر الحزن ولا تحاول إسكاتها، بل عبّر عنها بالبكاء أو الدموع، وابتعد عن الضجر والتسخّط وعدم التسليم بالقضاء والقدر، فالمؤمن أمره كله خير:"إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له."
|
|
|
وأسأل الله العلي العظيم أن يجمعني بيقين في جنات خلده، مع أمها وأخيها ومن نحب.
|
|
|
كتبه: أحمد زعكان-بتاريخ: 19-7-2025
|
|
|
|
|
التعليقات