|
|
|
✦ إطفاء أجهزة التكييف وإغلاق الأنوار في أرجاء المنزل. هذه الممارسات، التي يتفق عليها عدد كبير من الناس، أصبحت رمزًا غير معلن لمرحلة جديدة من الحياة، حيث تتغير الأولويات وتُعاد حسابات الاستهلاك. قد يرى البعض أن هذا السلوك يحمل نوعًا من التضييق أو الإزعاج لأفراد الأسرة، خاصة إذا اعتادوا على نمط حياة أكثر راحة أو حرية في استخدام الأجهزة الكهربائية. لكن عند التأمل في المشهد من زاوية أخرى، نجد أن كثيرًا من أجهزة التكييف تظل تعمل لساعات طويلة في غرف خالية تمامًا من الأشخاص، وأن الأنوار تُترك مضاءة بلا داعٍ، بل إن بعض الإضاءات الخارجية تظل مشتعلة حتى في وضح النهار.من هذا المنطلق، لا يبدو الأمر مجرد حرص مفرط أو تقشف غير مبرر، بل هو وعي جديد بالاستهلاك، وحرص على تقليل الهدر، كثير من النعم ولله الحمد إعتدنا عليها ولم نعد ندرك أهميتها لسهولة الحصول عليها .
|
|
|
|
|
|
✦ الإسراف لا يقتصر على المظاهر الفاخرة أو الاستهلاك المفرط في الكماليات، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، ومن أبرزها مشكلة فائض الطعام، وهي من القضايا التي تؤرقني باستمرار. لا أتحدث هنا عن بقايا الطعام في المطاعم، فهذه مشكلة قائمة بذاتها، بل أقصد ما يحدث داخل البيوت، حيث يتحول جزء كبير من الطعام اليومي إلى نفايات. من المؤلم أن ندرك أن نسبة كبيرة من نفايات المنزل تتكون من طعام صالح للأكل، لكنه يُهدر بسبب سوء التقدير أو العادات الغذائية غير المنضبطة. هذا الواقع يحرمنا أحيانًا من الاستمتاع بالوجبة نفسها، إذ يرافقها شعور بالذنب تجاه ما يُلقى في القمامة. وفي محاولة للحد من هذا الهدر، اتفقت مع أسرتي على تبني مبدأ بسيط لكنه فعّال: "ليكن طعامنا أقل من حاجتنا، لا أكثر منها". ورغم الالتزام بهذا الشعار، إلا أن بعض الأطعمة، مثل الخبز، لا تزال تُهدر بشكل شبه يومي. فالخبز تحديدًا، رغم أهميته، لا تدوم صلاحيته أكثر من يومين، بينما البدائل المتوفرة غالبًا ما تحتوي على مواد حافظة قد تفوق أضرارها فوائدها.
|
|
|
✦ ومن النعم العظيمة التي أنعم الله بها علينا، تلك الأنهار المحاله التي تمر تحت بيوتنا، والتي أصبحت في متناول الجميع بفضل الله أولًا، ثم بفضل حرص قيادتنا وولاة أمرنا على توفير مياه صالحة للشرب بجودة عالية. هذه المياه تمر بمراحل متعددة من المعالجة والتنقية لتصل إلى البيوت نقية وآمنة، ومع ذلك، فإن مظاهر الإسراف في استخدامها باتت مقلقة. حيث يُستخدم الماء المخصص للشرب في كثير من الأحيان لأغراض لا تتناسب مع قيمته، مثل غسل الأحواش والسيارات، وغيرها من الاستخدامات اليومية التي قد تبدو طبيعية للوهلة الأولى. لكن حين نتأمل أن هذه المياه خضعت لعمليات دقيقة لتكون صالحة للشرب، فإن استخدامها في مثل هذه الأمور يثير تساؤلات حول وعينا بقيمة النعمة.ومن صور الإسراف الأخرى في الماء، ذلك التوسع الكبير في استخدام المياه المعبأة. فقد أصبح وجود كراتين المياه في المنازل والسيارات أمرًا يوميًا، مدفوعًا بتنافس الشركات وكثرة الإعلانات، مما خلق احتياجًا وهميًا لدى البعض، رغم أن مياه التحلية التي توفرها الدولة غالبًا ما تكون ذات جودة أعلى. وللأسف، كثير من عبوات المياه تُترك في السيارات أو المنازل نصف ممتلئة، ثم تُتلف دون أن تُستخدم حتى في ري النباتات أو سقي الحيوانات، مما يعكس غياب ثقافة الترشيد، وشكر النعم بالمحافظة عليها.
|
|
|
✦ في تفاصيل حياتنا اليومية، تتجلى نعم الله علينا في صور لا تُعد ولا تُحصى، من الماء النقي الذي يصل إلى بيوتنا، إلى الطعام الذي يملأ موائدنا، إلى الكهرباء التي تنير منازلنا وتبرد أجواءنا. ومع ذلك، فإن مظاهر الإسراف في هذه النعم باتت مقلقة، بل ومؤلمة في بعض الأحيان.كل هذه المظاهر، وإن بدت فردية، إلا أن أثرها مجتمعي واسع. فالإسراف لا يخص فئة عمرية بعينها، ولا طبقة اجتماعية محددة، بل هو سلوك يحتاج إلى وعي جماعي يبدأ من رب الأسرة وربة المنزل. فحين نُدرك أن النعم قد تُسلب بسبب سوء استخدامها، نبدأ في التعامل معها بشكر وامتنان ومسؤولية.
|
|
|
✦ اللهم أدم علينا نعمك، ما ظهر منها وما بطن، ما علمنا منها وما لم نعلم. ربّي لك الحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
|
|
|
✒️ بقلم / أحمد زعكان
|
|
التعليقات