دهشة البداية: حين أصبح غياب الحدث حدثًا مسرحيًا
في الخامس من يناير عام 1953، قُدمت “في انتظار جودو” للمرة الأولى على خشبة مسرح بابيلون في باريس، باللغة الفرنسية، تحت عنوان En attendant Godot، بإخراج روجيه بلين، الذي أدى أيضًا دور بوزو. وكان بيكيت قد كتب النص بالفرنسية بين عامي 1948 و1949، ثم نُشر عام 1952، قبل أن يتولى بنفسه نقله إلى الإنجليزية. جاء العرض في مرحلة كانت أوروبا لا تزال تستوعب الآثار السياسية والأخلاقية والوجودية للحرب العالمية الثانية، وما أحدثته من اضطراب في الثقة بالتقدم والعقل واليقين التاريخي.
وجد الجمهور نفسه أمام تجربة لا تستجيب بسهولة لما اعتاده من المسرح. لا توجد حكاية تتقدم نحو غاية واضحة، ولا صراع تقليدي يبلغ ذروة ثم ينتهي بحل. هناك شخصيتان تتحدثان، تتشاجران، تتصالحان، تتذكران وتنسيان، وتفكران في الرحيل دون أن ترحلا. يدخل آخرون إلى المشهد ثم يغادرون، ويأتي صبي يحمل خبرًا يؤجل وصول جودو إلى الغد. وعندما يتكرر المشهد في الفصل الثاني، يتضح أن الزمن قد مر، لكن الانتظار لم يتغير في جوهره.
لم يكن استقبال المسرحية موحدًا. فقد أثارت حيرة بعض المتفرجين واستياءهم، بينما رأى فيها آخرون تحولًا مهمًا في مفهوم الكتابة المسرحية. وتشير الوثائق التي تناولتها أبحاث جامعة ريدنغ إلى مغادرة بعض الحاضرين العروض الأولى، في مقابل استقبال نقدي احتفى بجرأة العمل وأثار نقاشًا واسعًا امتد إلى خارج فرنسا. ولم تكن قوة المسرحية في إجماع الجمهور عليها، بل في قدرتها على جعل الاختلاف حولها جزءًا من حضورها الثقافي.
ولعل الوصف النقدي الأشهر لهذا البناء جاء على لسان الناقد الإيرلندي فيفيان مرسييه، الذي كتب في صحيفة The Irish Times عام 1956 أن بيكيت استطاع إنجاز ما بدا مستحيلًا نظريًا: كتابة مسرحية لا يحدث فيها شيء، ومع ذلك تظل قادرة على شد الجمهور؛ ثم أضاف، في إشارة إلى تكرار الفصل الثاني للأول، أن شيئًا لا يحدث فيها مرتين. ولم يكن مرسييه يقصد أن المسرحية فارغة من القيمة، بل كان يلفت إلى المفارقة الفنية التي حققها بيكيت: تحويل السكون الظاهر إلى مصدر للتوتر الدرامي.
لقد كشفت المسرحية أن الدراما لا تحتاج بالضرورة إلى كثافة الأحداث حتى تكون مؤثرة. فالإيقاع، والصمت، والتكرار، والتوتر بين ما يُقال وما لا يُقال، يمكن أن تصنع تجربة مسرحية توازي الصراع التقليدي في قوتها. وهنا يكمن أحد أهم تحولات بيكيت: لم يعد السؤال عما سيحدث بعد قليل، بل عما يعنيه أن نظل منتظرين شيئًا لا نعرف إن كان سيحدث أصلًا.
بنية متمردة: تفكيك الزمن والحبكة واللغة
إذا كانت الدراما تعتمد غالبًا على انتقال الشخصيات من وضع أولي إلى وضع مختلف عبر سلسلة من الأفعال والصراعات، فإن “في انتظار جودو” تعيد النظر في هذه العلاقة بين الفعل والتحول. فالمسرحية لا تخلو من الأحداث تمامًا، لكنها تفرغ الأحداث من قدرتها المعتادة على إحداث تقدم حاسم. الشخصيات تتحرك، والأحاديث تتبدل، واللقاءات تقع، لكن شيئًا من ذلك لا يفضي إلى الخلاص الذي ينتظره فلاديمير وإستراغون.
بهذا المعنى، لا يرفض بيكيت البناء المسرحي لمجرد الرغبة في مخالفة المألوف، وإنما يستخدم تفكيكه وسيلة للتعبير عن تجربة إنسانية لا تستطيع الحبكة الخطية تمثيلها بسهولة. فالحياة نفسها لا تسير دائمًا وفق منطق البداية والوسط والنهاية، ولا تمنح كل صراع ذروة واضحة أو نتيجة عادلة. وكثيرًا ما يجد الإنسان نفسه داخل أحداث لا يفهم أسبابها تمامًا، أو يكرر أفعالًا يعرف مسبقًا أنها لن تقوده إلى تغيير جوهري.
غير أن التكرار عند بيكيت ليس تطابقًا كاملًا. ففي الفصل الثاني، تطرأ تغيرات على الشجرة، وتختلف أحوال بوزو ولاكي، ويصبح تذكر ما جرى سابقًا موضع شك. هذه التفاصيل الصغيرة تمنعنا من اعتبار الزمن متوقفًا بالمعنى الحرفي. إنه يتحرك، لكن حركته لا تعني بالضرورة التقدم. وهنا تظهر المفارقة الأعمق: قد يتغير العالم من حول الإنسان بينما يظل موقعه الوجودي على حاله.
وتؤدي الذاكرة دورًا أساسيًا في تكثيف هذه المفارقة. فالشخصيات لا تتفق دائمًا على ما حدث، ولا تحتفظ بالماضي باعتباره سجلًا مستقرًا يمكن الرجوع إليه بثقة. وحين تصبح الذاكرة مضطربة، تتزعزع معها القدرة على قياس الزمن وفهم الذات. فمن دون ماضٍ واضح، كيف يستطيع الإنسان التأكد من أنه تقدم بالفعل؟ وكيف يميز بين تجربة جديدة وتجربة سبق أن عاشها؟
تطرح المسرحية هذه الأسئلة من خلال الحوار والحركة لا من خلال الشرح الفلسفي. وهنا تبرز براعة بيكيت في تحويل اللغة إلى عنصر درامي مستقل. فالكلمات لا تُستخدم دائمًا لنقل معرفة أو تحقيق تفاهم، بل قد تصبح وسيلة لملء الفراغ، أو تأجيل الصمت، أو تجنب مواجهة حقيقة لا يريد المتحدث الاعتراف بها. يتحدث فلاديمير وإستراغون أحيانًا لأن لديهما شيئًا يقولانه، وأحيانًا أخرى لأن الكلام نفسه يحميهما من الإحساس بثقل الانتظار.
حتى الصمت لا يأتي بوصفه غيابًا للمعنى، بل بوصفه جزءًا من إنتاجه. فالمشاهد الذي ينتظر تطورًا دراميًا يجد نفسه مشاركًا في التجربة؛ يشعر بطول الزمن، ويراقب محاولات الشخصيات المتكررة لتبديد الملل، وربما يتساءل عن جدوى بقائه أمام عرض لا يمنحه المكافأة السردية التي اعتادها.
واللافت أن هذا التقشف المسرحي لا يلغي الكوميديا. فالحركات الجسدية، والقبعات، والأحذية، والمفارقات الكلامية، والتعثرات المتكررة، تستدعي تقاليد الكوميديا الجسدية والمسرح الشعبي. يضحك المتفرج، لكنه سرعان ما يكتشف أن ما يثير ضحكه ينطوي على بؤس عميق. فالإنسان هنا مضحك في محاولاته المتعثرة، ومؤلم في الوقت نفسه لعجزه عن الخروج من مأزقه.
بهذا المزج بين الكوميدي والمأساوي، لا تعود العبثية مجرد فلسفة تُناقش على الخشبة، بل تصبح تجربة محسوسة في إيقاع العرض وطريقة أداء الشخصيات. فبيكيت لا يطلب من الجمهور أن يفهم العبث بوصفه تعريفًا نظريًا، وإنما يجعله يختبر بعض شروطه: التكرار، واللايقين، والتوقع الذي لا يتحقق، والرغبة المستمرة في حدوث شيء مختلف.
العبث والإنسان: البحث عن معنى في عالم لا يقدم إجابات
يصعب تناول “في انتظار جودو” دون استحضار فلسفة العبث، ولا سيما كما ظهرت لدى ألبير كامو في كتابه أسطورة سيزيف الصادر عام 1942. لكن من الضروري التمييز بين التشابه الفكري والتطابق الفلسفي؛ فمسرحية بيكيت ليست تطبيقًا مباشرًا لفلسفة كامو، ولا يمكن اختزال غموضها في موقف فلسفي واحد.
يرى كامو أن الإحساس بالعبث ينشأ من المواجهة بين حاجة الإنسان إلى الوضوح والمعنى، وبين عالم لا يقدم له الإجابات النهائية التي يطلبها. فالعبث، في هذا التصور، ليس صفة مستقلة للإنسان أو للعالم، وإنما يتولد من العلاقة المتوترة بينهما. ولذلك لا تنتهي فلسفة كامو إلى ضرورة الاستسلام، بل تطرح إمكان الاستمرار في الحياة والتمرد الواعي على غياب اليقين.
يمكن قراءة انتظار فلاديمير وإستراغون في ضوء هذه المفارقة. إنهما لا يملكان معرفة مؤكدة بجودو، ومع ذلك ينظمان وجودهما حول احتمالية وصوله. تصبح الحياة مؤجلة إلى لحظة مستقبلية يُفترض أن تمنحها معناها، كما لو أن الحاضر لا يستطيع أن يستمد قيمته من ذاته.
لكن هذا التشابه مع كامو لا يلغي اختلافًا مهمًا. فسيزيف، كما يتأمله كامو، يتيح تصورًا للوعي والمواجهة والتمرد، في حين أن شخصيتي بيكيت لا تصلان إلى موقف فلسفي متماسك من مصيرهما. إنهما تتأرجحان بين الرغبة في المغادرة والخوف من التخلي عن الانتظار، وبين السخرية واليأس، وبين التعلق بالأمل والشك في أساسه. لذلك تبدو المسرحية أقل ميلًا إلى تقديم جواب أخلاقي، وأكثر إصرارًا على إبقاء السؤال مفتوحًا.
وربما تكمن قوة هذا الغموض في أن جودو لا يُختزل في رمز واحد. يمكن أن يقرأه بعض المتفرجين بوصفه صورة للخلاص الديني، أو الوعد السياسي، أو العدالة المؤجلة، أو الاعتراف الاجتماعي، أو المستقبل الذي يتوقع الإنسان أن يعوضه عن حاضره. لكن أياً من هذه التأويلات لا يستطيع الادعاء بأنه المعنى الوحيد للنص.
فإذا جعلنا جودو رمزًا لله وحده، ضاقت المسرحية إلى قضية لاهوتية. وإذا جعلناه رمزًا للسلطة السياسية، أصبحت مجرد نقد للوعود التي لا تتحقق. وإذا اعتبرناه النجاح الشخصي، فقدنا الأبعاد الميتافيزيقية والاجتماعية الأكثر تعقيدًا. والأقرب إلى طبيعة العمل أن جودو يكتسب قوته من بقائه غائبًا، ومن قدرة هذا الغياب على استيعاب معانٍ متعددة دون أن يستقر على أي منها.
الأهم، في تقديري، ليس السؤال عن هوية جودو، بل عما يفعله انتظاره بالشخصيات. فالإنسان حين يجعل معنى حياته مرهونًا بوصول شيء خارجي، يمنح ذلك الشيء سلطة على حاضره، حتى وإن كان وجوده نفسه غير مؤكد. عندئذ لا يصبح الانتظار مجرد حالة زمنية، بل طريقة في تنظيم الحياة، وربما في تعليق القدرة على الاختيار.
ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار كل انتظار علامة على العبث أو العجز. فالانتظار قد يكون فعل صبر، أو وفاء، أو إيمان بإمكان التغيير. ما يجعله مأزقًا في مسرحية بيكيت هو أن الشخصيات لا تستطيع التحقق من وعدها، ولا تعرف كيف تتصرف خارجه. إنها لا تنتظر حدثًا معلومًا فحسب؛ إنها تواجه استحالة تحديد العلاقة بين ما تتوقعه وما تملكه بالفعل.

الذاكرة واللايقين: لماذا يصعب التحرر من الانتظار؟
تتيح العلوم النفسية والمعرفية زاوية إضافية لفهم تجربة الانتظار، من دون أن يعني ذلك اختزال المسرحية في تفسير نفسي. فالإنسان لا يعيش الزمن بوصفه مقدارًا موضوعيًا فقط؛ إنه يختبره عبر الانتباه والتوقع والذاكرة والانفعال. ولذلك يمكن أن تبدو فترات قصيرة طويلة بصورة مرهقة، بينما تمر فترات أطول دون إحساس مماثل بثقلها. وما يجعل الانتظار مؤلمًا ليس مدته وحدها، بل مقدار الغموض الذي يحيط بنهايته، والأهمية التي ينسبها الفرد إلى ما ينتظره.
في علم النفس، يُستخدم مفهوم «عدم تحمّل عدم اليقين» لوصف الميل إلى الاستجابة سلبًا للمواقف التي لا تسمح بالتنبؤ الواضح بما سيحدث. وتشير المراجعات البحثية إلى ارتباط هذا الميل بالقلق والاجترار الذهني، وبأنماط مختلفة من السلوك تهدف إلى استعادة الشعور باليقين، وإن ظلت طبيعة العلاقات السببية وحدود المفهوم موضع بحث وتطوير. وقد تناولت مراجعة علمية نُشرت عام 2026 تطور هذا المجال خلال ثلاثة عقود، وأكدت أهميته في فهم استجابات الإنسان للغموض، مع استمرار النقاش حول بعض جوانب تعريفه وقياسه.
تساعد هذه المعرفة على إضاءة جانب من سلوك فلاديمير وإستراغون. فهما لا يعرفان إن كان جودو سيأتي، لكنهما لا يملكان كذلك أساسًا يسمح لهما بنفي احتمال مجيئه. ومن هنا تتشكل الدائرة التي تحبسهما: كل يوم ينتهي دون تحقق الوعد، لكنه لا ينفي إمكان تحققه في اليوم التالي.
وما يزيد الموقف تعقيدًا هو اضطراب الذاكرة. فالذاكرة البشرية ليست استعادة آلية للماضي، وإنما عملية تتأثر بالسياق والانتباه والتفسير. وفي المسرحية، يصبح ضعف التذكر عنصرًا يضاعف استحالة الوصول إلى يقين مستقر. فحين لا يستطيع الإنسان الاتفاق حتى مع ذاته على ما جرى بالأمس، يصعب عليه بناء توقع موثوق بشأن الغد.
ومع ذلك، فإن الشخصيتين لا تعيشان الانتظار في عزلة تامة. فالعلاقة بينهما، بما تتضمنه من ضجر وتوتر واعتماد متبادل، تمنح وجودهما بُعدًا آخر. إنهما يتحدثان كي يمضي الوقت، لكن الحديث يؤدي أيضًا وظيفة إنسانية أعمق: تأكيد حضور كل منهما أمام الآخر. وقد يكون الرفيق، حتى حين يعجز عن تقديم حل، أحد الأشياء القليلة التي تجعل استمرار الانتظار ممكنًا.
وهنا تظهر مفارقة إنسانية دقيقة: فالانتظار قد يستهلك الحياة، لكنه قد ينشئ في الوقت ذاته أشكالًا من التضامن والمرافقة. إن فلاديمير وإستراغون لا يتقدمان نحو الخلاص، لكنهما لا يتوقفان تمامًا عن محاولة فهم وضعهما أو التواصل أحدهما مع الآخر. وهذه المحاولات المتعثرة تمنع المسرحية من التحول إلى صورة مسطحة لليأس الخالص.
ما وراء الشخصيتين: السلطة والخضوع والعلاقات الإنسانية
إذا كانت علاقة فلاديمير وإستراغون تكشف حاجة الإنسان إلى الآخر، فإن حضور بوزو ولاكي يضيف جانبًا أكثر قتامة إلى رؤية بيكيت. فالعلاقة بين هاتين الشخصيتين تقوم، في جانب واضح منها، على السيطرة والتبعية. يظهر بوزو بوصفه صاحب السلطة، بينما يبدو لاكي خاضعًا لإرادته، مرتبطًا به ماديًا ورمزيًا.
لا تقدم المسرحية تفسيرًا سياسيًا مباشرًا لهذه العلاقة، لكنها تتيح قراءة تتجاوز المأزق الوجودي الفردي إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية التي يُمارس فيها الإنسان سلطته على غيره. فالهيمنة ليست مجرد امتلاك للقوة، بل قد تتحول إلى نظام يجعل الطرف الخاضع عاجزًا عن تصور نفسه خارجه، مثلما يصبح الطرف المسيطر معتمدًا على العلاقة التي يفرضها.
وتزداد هذه المفارقة وضوحًا حين تتبدل أحوال الشخصيتين في الفصل الثاني. فالقوة لا تظل ثابتة، والقدرة على السيطرة ليست ضمانة ضد الضعف أو التدهور. وما كان يبدو نظامًا مستقرًا يكشف عن هشاشته، كما لو أن بيكيت يريد تذكيرنا بأن السلطة نفسها لا تستطيع الانتصار على الزمن.
ومن الممكن، انطلاقًا من ذلك، توسيع قراءة المسرحية إلى حالات الانتظار الاجتماعي والسياسي: انتظار القرار الذي يصدر من جهة أعلى، أو الفرصة التي يتحكم بها الآخرون، أو الوعد الذي تتكرر صياغته دون أن يتحول إلى واقع. لكن هذه تظل إمكانات تأويلية يتيحها النص، وليست رسالة سياسية صريحة ينبغي نسبتها إلى بيكيت.
وتبرز هنا مسألة لا تقل أهمية عن معنى الانتظار نفسه، وهي مسألة القدرة على الفعل. فليس كل من ينتظر قادرًا على إنهاء انتظاره. هناك انتظار تفرضه الظروف الاقتصادية أو البنى الإدارية أو علاقات القوة، كما أن هناك انتظارًا يشارك الإنسان في إدامته بسبب خوفه من القرار أو تعلقه بصورة مستقبلية معينة.
بهذا التفريق، يصبح الحديث عن العبث أكثر إنصافًا للخبرة الإنسانية. فمن السهل أن نصف المنتظر بالعجز، لكن الأصعب أن نسأل عن الشروط التي جعلت الانتظار قدره، وعن المساحة الحقيقية المتاحة له لتغيير وضعه.
إرث جودو: حين تغيّرت لغة المسرح
لم يظهر بيكيت من فراغ، ولم يكن الكاتب الوحيد الذي أعاد النظر في شكل المسرح خلال القرن العشرين. فقد شهدت العقود السابقة تجارب متعددة في تفكيك الواقعية المسرحية ومساءلة اللغة والحبكة، ثم جاءت أعمال يوجين يونسكو وجان جينيه وآرثر آداموف، إلى جانب أعمال بيكيت، لتمنح هذا التحول حضورًا أكثر وضوحًا.
وقد أسهم الناقد مارتن إسلن في جمع عدد من هذه التجارب تحت تسمية «مسرح العبث»، التي طرحها نقديًا عام 1960 ووسعها في كتابه الصادر عام 1961. ولم يكن هذا المسرح حركة منظمة أعلن أصحابها انتماءهم إليها، بل تصنيفًا نقديًا لأعمال متباينة اشتركت في مساءلة المعنى، والتشكيك في قدرة اللغة على التواصل، والابتعاد عن بعض الأعراف الدرامية السائدة.
ومن هنا، ينبغي فهم تأثير “في انتظار جودو” في المسرح اللاحق باعتباره تأثيرًا فنيًا وفكريًا واسعًا، لا سلسلة بسيطة من الاقتباسات المباشرة. فقد فتحت المسرحية المجال أمام استخدام الصمت بوصفه عنصرًا دراميًا، وجعلت الحوارات المتعثرة والتكرار والغموض أدوات فاعلة في بناء التوتر. كما أثبتت أن المسرح يستطيع إثارة أسئلة عميقة دون الاتكاء على خطاب فلسفي مباشر أو حبكة مكتملة.
يمكن ملاحظة امتداد هذا الأثر في بعض أعمال هارولد بينتر، ولا سيما في توظيف الصمت والتهديد الكامن في الحوار اليومي، وفي تجارب توم ستوبارد التي تتلاعب بالمصير والمنطق المسرحي، وفي أعمال إدوارد ألبي التي تكشف توتر العلاقات الإنسانية وتناقضات اللغة. لكن هؤلاء الكتاب لم يكرروا تجربة بيكيت على نحو واحد؛ فقد طوّر كل منهم عالمه الفني الخاص، بما يتضمنه من اختلافات أسلوبية واجتماعية وفلسفية.
أما جون أوزبورن، الذي ارتبط اسمه بالمسرح البريطاني الغاضب والواقعية الاجتماعية، فمن الأدق النظر إليه باعتباره جزءًا من التحولات المسرحية الكبرى في الفترة نفسها، لا أحد الامتدادات المباشرة لمسرح بيكيت العبثي. فالتجديد المسرحي في ذلك العصر لم يكن اتجاهًا واحدًا، وإنما كان مجموعة مسارات استجابت، بطرائق مختلفة، لأزمات المجتمع والثقافة والإنسان بعد الحرب.
ولعل الإنجاز الأعمق لبيكيت يتمثل في أنه وسّع حدود ما يمكن اعتباره مادة صالحة للمسرح. فالعجز عن اتخاذ القرار، وفقدان الثقة في الذاكرة، والكلام الذي لا يفضي إلى تفاهم، والوقت الذي يمضي بلا تحول واضح، كلها خبرات إنسانية كان يمكن أن تبدو هامشية أمام الدراما القائمة على الفعل والصراع. لكنه جعلها تحتل مركز المشهد.
الإنسان المعاصر: جودو في زمن الشاشات والوعود المؤجلة
ما يمنح “في انتظار جودو” قدرتها المستمرة على إثارة الأسئلة هو أنها لا تعتمد على ظروف عصرها وحدها. فالانتظار الذي صاغه بيكيت في فضاء مسرحي شبه خالٍ يمكن أن يجد صورًا جديدة في حياة الإنسان المعاصر، وإن اختلفت الوسائل والسياقات.
قد لا نجلس اليوم تحت شجرة على طريق مهجور، لكننا نقضي قدرًا متزايدًا من حياتنا في ترقب أشياء لا نملك ضمانًا لوصولها: رسالة نأمل أن تغير علاقتنا بأحدهم، وفرصة مهنية نعلق عليها مستقبلنا، واعتراف اجتماعي نتخيل أنه سيمنحنا الشعور بالكفاية، أو تحول سياسي واقتصادي نؤجل إليه إمكان العيش بصورة أفضل.
بل إن المفارقة الحديثة تتمثل في أن الانتظار قد يتخذ مظهر النشاط المستمر. فنحن نتصفح الشاشات، ونتلقى الإشعارات، ونتنقل بين الأخبار والصور والآراء، ونشعر بأننا نشارك في حركة لا تتوقف، بينما قد نظل، في بعض جوانب حياتنا، في المكان النفسي نفسه. لا يعني ذلك أن استخدام التكنولوجيا عبثي بطبيعته، أو أن كل نشاط رقمي تعبير عن الفراغ؛ فوسائل الاتصال تمنح فرصًا حقيقية للتعلم والعمل والعلاقات الإنسانية. لكن استخدامها قد يتحول أحيانًا إلى طريقة لتأجيل مواجهة الأسئلة الأصعب.
وقد تناولت الأبحاث الحديثة ظاهرة الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي، وارتباطها بأنماط التنظيم الذاتي والانفعالي، والقلق والخوف من تفويت الأحداث أو الخبرات. ففي مراجعة منهجية نشرت عام 2024 وشملت 45 دراسة، وجد الباحثون ارتباطات مهمة بين صعوبات التنظيم النفسي والاستخدام الإشكالي لتلك المنصات. غير أن هذه النتائج لا تثبت أن وسائل التواصل تسبب القلق لدى جميع مستخدميها، ولا تسمح بمساواة الاستخدام المكثف بالاستخدام الضار في كل الأحوال.
ومع ذلك، فإن لهذه النتائج قيمة تفسيرية عند تأمل أنماط الانتظار المعاصرة. فحين يعتاد الإنسان البحث المستمر عن مثير جديد أو استجابة خارجية، قد يصبح من الصعب عليه التمييز بين الفعل الذي يختاره لتحقيق غاية واضحة، والسلوك الذي يكرره لأنه اعتاد ممارسته. وهنا تنشأ صورة جديدة من صور الانتظار: حركة متواصلة لا يصاحبها بالضرورة إحساس بالتقدم.
وفي المجال الاقتصادي والاجتماعي، يبدو الانتظار أكثر تعقيدًا. فالفرد الذي يعمل ساعات طويلة من أجل الحفاظ على استقراره المادي قد يجد نفسه يؤجل باستمرار الأشياء التي تصور يومًا أنها الغاية من العمل: الراحة، والحرية، والعلاقات، والقدرة على الاستمتاع بالحياة. وقد تصبح الترقية التالية، أو الزيادة المقبلة في الدخل، أو المرحلة الجديدة من الاستهلاك، أشبه بجودو شخصي يُفترض أنه سيضع حدًا للشعور بالنقص.
لا يعني ذلك أن العمل أو الطموح أو السعي إلى تحسين الظروف المادية أمور عبثية. وإنما تكمن المشكلة حين يتحول المستقبل إلى المبرر الوحيد للحاضر، وحين يصبح الإنجاز وعدًا متجددًا بالرضا بدل أن يكون جزءًا من حياة يستطيع الإنسان أن يجد فيها معنى أثناء ممارستها.
ومن منظور اجتماعي أوسع، يمكن قراءة هذا الانتظار في ظل علاقات قوة وتفاوت اقتصادي وضغوط ثقافية تجعل بعض الأفراد أقل قدرة من غيرهم على اتخاذ قرارات حاسمة بشأن مستقبلهم. ولهذا فإن وصف الإنسان المعاصر بأنه أسير انتظار عبثي ينبغي ألا يحجب الاختلاف بين انتظار يختاره الفرد وانتظار تفرضه عليه شروط خارجة عن إرادته.
ولعل أخطر ما في الانتظار الحديث أنه قد يبدو أحيانًا اختيارًا حرًا، بينما تتداخل في تشكيله الرغبات الشخصية مع توقعات المجتمع ومتطلبات السوق وآليات المنصات الرقمية. وهكذا، لا يصبح السؤال فقط: ما الذي ننتظره؟ بل أيضًا: من الذي جعلنا نعتقد أن حياتنا لا تكتمل إلا بالحصول عليه؟
ومع ذلك، لا أرى أن التشابه بين عالم بيكيت وعالمنا يبرر القول إن شيئًا لم يتغير، أو إن التاريخ مجرد تكرار بلا تقدم. فالتحولات العلمية والاجتماعية والحقوقية التي عرفتها المجتمعات حقيقية، وإن كانت غير متساوية ومصحوبة بأزمات جديدة. الأصح أن المسرحية تذكّرنا بأن التقدم المادي والتقني لا يلغي تلقائيًا القلق الوجودي، وأن كثرة الخيارات لا تكفل وضوح الغاية. قد نغير أدواتنا وأمكنتنا وطرائق تواصلنا، لكن السؤال عن المعنى يظل حاضرًا، وقد يعود في صور جديدة كلما اعتقدنا أننا تجاوزناه.
جودو الذي لا يأتي... لكنه يُبقينا أحياء
في نهاية “في انتظار جودو”، لا يصل الغائب الذي عُلقت عليه الآمال، ولا تتحقق القطيعة الحاسمة مع الانتظار. تظل الشخصيتان أسيرتين لمفارقة أراد بيكيت أن يجعلها ملموسة: الرغبة في الرحيل لا تتحول إلى مغادرة، والوعي بالمأزق لا يكفي بالضرورة للخروج منه.
لكن اختزال هذه النهاية في اليأس وحده قد يفوت جانبًا أساسيًا من طبيعة المسرحية. ففلاديمير وإستراغون لا يتوقفان عن الكلام، ولا يفقدان كل قدرة على السخرية، ولا تنقطع بينهما الرابطة الإنسانية رغم اضطرابها. إنهما كائنان ضعيفان ومترددان، لكن وجودهما المشترك يظل شكلًا من أشكال مقاومة العزلة المطلقة، حتى إن لم يؤدِّ إلى تغيير مصيرهما.
وهنا يظهر السؤال الذي يجعل المسرحية أكثر تعقيدًا من مجرد إعلان عن لاجدوى الحياة: هل الإنسان يستمر لأنه يؤمن بوصول الخلاص، أم أنه يواصل الإيمان بالخلاص لأنه لا يعرف كيف يستمر من دونه؟
ربما لا تكمن مأساة الشخصيتين في غياب جودو وحده، وإنما في أنهما منحتاه القدرة على تحديد معنى بقائهما. لقد أصبح حضوره المحتمل أقوى من واقعهما المباشر، وتحول الغد إلى وعد يستنزف اليوم، كما لو أن الحياة لا تستحق أن تُعاش إلا بعد وقوع شيء آخر.
ولعل في ذلك ما يجعل المسرحية قريبة من الإنسان في مختلف العصور. فكثيرًا ما نؤجل سعادتنا إلى حين اكتمال ظرف ما، أو تحقق طموح معين، أو وصول شخص نعتقد أن حضوره سيعيد ترتيب حياتنا. وحين يتحقق بعض ما ننتظر، قد نكتشف أن الأسئلة التي أردنا التخلص منها لم تختفِ، بل انتقلت معنا إلى المرحلة التالية.
لا تدعونا “في انتظار جودو” صراحة إلى التخلي عن الأمل، كما أنها لا تمنحنا يقينًا بأن الاستمرار في الانتظار فضيلة إنسانية. إنها تضع الأمل نفسه موضع مساءلة: متى يكون قوة تساعدنا على العيش، ومتى يتحول إلى قيد يمنعنا من مواجهة الحياة كما هي؟ ومتى يكون الصبر فعلًا واعيًا، ومتى يصبح ذريعة لتأجيل القرار؟
بهذا المعنى، لا تكمن عظمة بيكيت في أنه كشف أن الإنسان يعيش في عالم بلا معنى نهائي، وكأن ذلك حقيقة حُسمت فلسفيًا، بل في أنه استطاع تجسيد تجربة الإنسان حين يعجز عن العثور على معنى مستقر، وحين يواصل الحياة رغم هذا العجز. لقد منح الشك هيئة مسرحية، وجعل من التكرار لغة، ومن الصمت حضورًا، ومن الانتظار مرآة يرى فيها المتفرج جانبًا من نفسه.
إن جودو قد لا يأتي أبدًا، لكن غيابه لا يجيب وحده عن سؤال الحياة. فما يزال هناك إنسان ينتظر، ويتذكر، وينسى، ويضحك، ويتألم، ويتمسك بإنسان آخر كي لا يواجه الفراغ وحده.
وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا الذي تتركه المسرحية لنا ليس ما إذا كان جودو سيأتي، بل ما الذي يحدث لحياتنا ونحن ننتظره. هل نمضي الزمن في التهيؤ للحياة، أم نعيش بالفعل؟ وهل نملك الشجاعة لإعادة النظر في الوعود التي علّقنا عليها وجودنا، أم نظل بحاجة إلى غائب يمنح أيامنا سببًا للاستمرار؟
لقد جعل بيكيت من الانتظار قدرًا إنسانيًا محتملًا، لكنه ترك لنا حرية التأمل في هذا القدر، من دون أن يفرض علينا تفسيرًا نهائيًا له. ولعل هذا هو سر خلود المسرحية: أنها لا تنتهي عندما تُسدل الستارة، بل تستمر في ذهن المتفرج، كلما وجد نفسه أمام وعد مؤجل، أو طريق لا يعرف نهايته، أو غد ينتظره طويلًا.
فجودو، في نهاية الأمر، ليس مجرد شخص غائب عن خشبة المسرح؛ إنه أيضًا اسم يمكن أن نطلقه على ذلك الشيء الذي نتصور أن وصوله سيجعل حياتنا مكتملة. وقد تكون المفارقة الأشد إيلامًا أننا، في أثناء ترقب اكتمال الحياة، نسمح لأجزاء منها بأن تمضي دون أن نعيشها كما ينبغي.
التعليقات