الشهادة بداية الطريق لا قمته
نال الدكتوراه في الأدب الإنجليزي والمقارن من جامعة روتجرز الأمريكية عام 1969، ثم عمل في التدريس الجامعي. وقد منحه هذا التكوين أدوات القراءة والتحليل، لكنه لم يحصر اهتمامه في نطاق تخصصه الأول؛ إذ اتجه إلى دراسة الصهيونية والعلمانية والحضارة الغربية، وانشغل بالنماذج التي تحكم فهمنا للتاريخ والمجتمع والإنسان. لم يكن السؤال لديه ماذا نعرف عن الظاهرة فحسب، وإنما كيف نعرفها، وأي افتراضات خفية توجه تفسيرها.
تلك النقلة هي ما يمنح تجربته دلالتها؛ فالحصول على الدرجة العلمية قد يكون ذروة المسار عند بعضهم، بينما يصبح عند صاحب المشروع الفكري نقطة انطلاق. لقد استثمر أدوات الجامعة ليطرح أسئلة لم تكن الشهادة كافية للإجابة عنها، واتخذ من التخصص قاعدة للتوسع المنهجي. ولا يقتضي هذا التقليل من قيمة التأهيل النظامي؛ ففضله يظهر بأوضح صورة حين يتحول إلى قدرة على البحث المستقل وصياغة المفاهيم.
والانتقال بين الحقول المعرفية لا يكتسب قيمته بمجرد تعدد الموضوعات؛ فقد يقود التوسع غير المنضبط إلى أحكام سطحية. أما خصوصية هذه التجربة فتتمثل في محاولة بناء صلات تفسيرية بين قضايا متباعدة، انطلاقًا من أسئلة متصلة بالإنسان والحضارة والحداثة وموقع القيم في النماذج الفكرية.
من يحمل اللقب ومن يمنحه قيمته
ارتفعت نسبة القيد الإجمالية في التعليم العالي عالميًا من 19% عام 2000 إلى 44% عام 2024. ولا تثبت هذه الزيادة تراجع الجودة، لكنها تجعل صرامة معايير التأهيل والتقييم أكثر أهمية. فاتساع فرص التعليم مكسب معرفي واجتماعي، شريطة أن تحتفظ الشهادة بدلالتها على الكفاءة.
في الاقتصاد، شرح مايكل سبنس عام 1973 وظيفة التعليم بوصفه «إشارة» إلى قدرات يصعب على الآخرين التحقق منها مباشرة. غير أن الإشارة لا تحسم قيمة صاحبها، مهما كانت موثوقة. وهنا تتجلى المفارقة: يستطيع اللقب أن يعرّفنا بمؤهل المسيري، لكنه لا يفسر المكانة التي اكتسبها مشروعه. تلك المكانة صنعتها أعمال متاحة للفحص والاختلاف، لا صفة تسبق الاسم.
ومن يتكئ على درجته وحدها يطلب الاعتراف بما ناله، أما صاحب المنجز فيتيح للقراء أن يحكموا على ما أضافه. إنها المسافة بين مكانة تمنحها المؤسسة، ومكانة تتجدد كلما أعيدت قراءة الأفكار. فالمؤهل يوثق مرحلة من التكوين، بينما يكشف الإنتاج المعرفي عن قدرة صاحبه على تجاوز تلك المرحلة، والمشاركة في تطوير الحقل الذي ينتمي إليه.

مشروع فكري يعيد تشكيل الفهم
تتجسد خصوصية هذا المنجز في «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد»، الصادرة في ثمانية مجلدات عام 1999. وتكمن أهميتها في السعي إلى تجاوز الجمع والوصف نحو بناء إطار تفسيري؛ إذ تميّز بين اليهود بوصفهم جماعات تاريخية متنوعة، واليهودية دينًا، والصهيونية حركة سياسية، وتضع الظواهر في سياقاتها بدل إخضاعها لأحكام عامة. وفي «العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة» أعاد فحص مفهوم مألوف، وكشف تباين مستوياته وآثاره في فهم الإنسان والعالم.
وتظهر أصالة هذه المحاولة في مساءلة المفاهيم التي تبدو مستقرة في الاستعمال اليومي. فقد تعامل مع المصطلح باعتباره حاملًا لرؤية ضمنية إلى الواقع، وسعى إلى الكشف عن الافتراضات التي تجعل تفسيرًا معينًا مقبولًا قبل اختبار أدلته. وهكذا امتدت مساهمته إلى تطوير الأسئلة ذاتها، وإعادة النظر في المسلّمات التي توجه التفكير. وهذه قيمة فكرية لا تستطيع السيرة الوظيفية، مهما ازدحمت بالمناصب، الإحاطة بها.
ولا تقتضي الإشادة بمشروعه التسليم بكل أطروحاته؛ فالنموذج التفسيري يكتسب جديته من إمكان مساءلته، لا من حصانته تجاه النقد. وما يستحق التقدير أن كتبه لا تزال تتيح النظر والاعتراض وإعادة التفسير. فاللقب يثبت حصولًا سابقًا على مؤهل، بينما يبقى العمل الفكري في اختبار متجدد مع قرائه، وتتجلى أهميته فيما يفتحه من آفاق معرفية تتجاوز زمن تأليفه.
الإنجاز العلمي أبعد من المقاييس الشكلية
تكشف هذه التجربة محدودية البيئات التي تختزل التفوق الأكاديمي في عدد المنشورات أو تصنيف المجلات أو تسلسل المناصب. فهذه المؤشرات قد تفيد في التقييم، لكنها لا تكفي لقياس أصالة السؤال أو القدرة التفسيرية للفكرة. ولهذا يدعو «إعلان سان فرانسيسكو لتقييم البحث العلمي» وتوجه «CoARA» إلى إعطاء التقييم النوعي ومراجعة الخبراء وزنًا أساسيًا، واستخدام المؤشرات الكمية بمسؤولية.
ولو قُرئت سيرته من خلال الدرجات والوظائف وحدها، لضاع أبرز ما يميزها: قدرة الباحث على تحويل أدواته إلى مشروع يوسع مجال التفكير. ومع ذلك، لا يستلزم هذا المعيار أن يصبح كل أكاديمي مفكرًا موسوعيًا؛ فالإنجاز قد يتجسد في اكتشاف دقيق، أو منهج تعليمي، أو إعداد باحثين، أو حل مشكلة عملية. العبرة بما يضيفه كل واحد إلى حقله، لا بمقدار شهرته أو عدد الألقاب المسبوقة باسمه.
وهذا التمييز ضروري حتى لا نستبدل سلطة اللقب بسلطة الشهرة؛ فكلاهما قد يمنح صاحبه حضورًا لا يتناسب بالضرورة مع قيمة إنتاجه. أما الأصالة والإتقان والأمانة العلمية والأثر المعرفي، فهي المعايير التي تمنح المنجز مكانته الحقيقية.
ما يبقى بعد زوال الألقاب
تستعيد الشهادات قيمتها حين تكون شاهدًا على تكوين جاد، وتبقى جديرة بالاحترام ما دامت لا تعفي أصحابها من النقد والمساءلة. أما المنجز فيمنح ذلك التكوين معناه الأعمق، ويجعل أثر صاحبه مستقلًا عن موقعه الوظيفي.
وهذا ما تقوله تجربة عبدالوهاب المسيري بوضوح؛ فقد تجاوز حدود التأهيل الرسمي، وترك مشروعًا فكريًا أصبح حضوره مرتبطًا بمفاهيمه وأسئلته أكثر من ارتباطه بألقابه. وما زال اسمه يستدعي مؤلفاته والنقاشات التي أثارتها، حتى غدت الشهادة تفصيلًا في سيرته أمام اتساع منجزه.
فالمكانة العلمية الأرسخ لا يصنعها ما يسبق الاسم من ألقاب، وإنما ما يظل حاضرًا من فكر ومعرفة وأثر حين يُذكر الاسم مجردًا منها.
التعليقات