الشعر
منذ طفولتي نما الشعر في قلبي، وتعلقت به تعلقًا لا أستطيع فصله عن تكويني وذاكرتي. أحببته لأنه كان حاضرًا في كتب التراث الإسلامي، ولأنه جزء من الهوية التي تشكلت بها ملامح حضارتنا وعمقها.
وأنا ابن بيئة مدينية اعتادت منذ قرون أن تسمع الشعر حاضرًا في مجالسها ومناسباتها، وأن تتلقاه بوصفه جزءًا من الحياة، لا مجرد فن محفوظ في الكتب. وللمدينة المنورة، طيبة، علاقتها الخاصة بالشعر؛ فقد أضافت إليه شيئًا من سكينتها، وهذبت ما قد يكون فيه من مجون أو عنفوان، وجعلت حضوره متصلًا بمزاجها الروحي والثقافي.
ولم يكن حبي للكتب والشعر منفصلًا عن بيتي. فقد أكرمني أبي بأن أرث مكتبته، التي كانت قلب المعرفة في منزلنا وموطن العلم والنماء. ومن خلالها لم يكن الشعر بالنسبة إليّ نصوصًا موزونة ومقفاة فحسب، بل عالمًا تتجاور فيه اللغة والتاريخ والإنسان، ويتصل فيه حاضر القارئ بماضٍ طويل من التجربة والقول.
ولذلك يصعب عليّ أن أنظر إلى الشعر بوصفه نشاطًا عابرًا؛ إنه شيء نشأ معي، وتشكلت معه ذائقتي، ووجدت فيه جزءًا من علاقتي باللغة والثقافة والإنسان.
الشاعر
ومع ذلك، لم تأتِ صفة «الشاعر» إليّ بسهولة.
لسنوات طويلة كنت أتحاشى أن أقول عن نفسي شاعرًا. لم تكن الكلمة مجرد وصف لمن يكتب الشعر، بل كانت تحمل في وجداني رهبة خاصة؛ إذ كنت أشعر بثقلها قبل أن أشعر بشرفها. فالشاعر، في تصوري، لا يصبح شاعرًا لمجرد أنه كتب نصًا أو أكثر، وإنما تستحق هذه الصفة أن تُطلق بعد تجارب طويلة من التعثر والتعلم والمراجعة.
وكان الشعر يتسلل إلى كلماتي من غير قصد. ذات مرة قررت أن أكتب خاطرة، فإذا بفطرتي الشعرية تقودني إلى أن أجعلها موزونة ومقفاة. ظننت الأمر مصادفة، لكن تكرار التجربة جعلني أتوقف عنده وأقول: لعلها موهبة في الكتابة.
ثم، مع الوقت، اعترفت لنفسي بأنني شاعر، وصرت أطلق هذه الصفة على نفسي دون التحفظ القديم. لكن الاعتراف بها لم يُسقط عن الكلمة رهبتها؛ فما زلت، كلما قلت «أنا شاعر»، أشعر بشيء من التردد، لا لأنني أنكر ما أنا عليه، وإنما لأنني أرى في هذه الكلمة مسؤولية أكبر من أن تكون مجرد لقب.
ولعل هذا التردد يفسر جانبًا من علاقتي بالأمسيات. فأنا أحب الشعر، لكنني لم أكن حريصًا على حضور مجلس شعر لمجرد أنه مجلس شعر. كانت علاقتي بالنص في كثير من الأحيان خاصة، تقوم على القراءة والتأمل، وعلى ذلك النوع من الإنصات الذي يحدث بين الإنسان والكتاب حين يكونان وحدهما.
ومن هنا بدا لي أن ثمة فرقًا بين محبة الشعر والحضور إلى مشهده. قد يحب المرء الشعر عميقًا دون أن يكون من رواد أمسياته، وقد يحضر الأمسيات باستمرار دون أن تكون علاقته بالشعر بالعمق ذاته.

الأمسية
لطالما تحفظت عن حضور الأمسيات الشعرية، لا نفورًا من الشعر، وإنما لاختلاف ذائقتي في تلقيه وطبيعة الشعور الذي يصاحبني حين أقرأه أو أسمعه. ومع ذلك، لا أراها أمرًا سلبيًا، بل مساحة ثقافية تعيد إلى الناس أهمية الأدب والشعر، وتمنح الشعراء التقدير، وتضع الشعر في فضائه الطبيعي بوصفه جزءًا من الحياة الثقافية والاجتماعية.
لكن المحافظة على الأمسية الشعرية لا تعني المحافظة على صورتها القديمة بالضرورة. فالتجديد لا يعني الإخلال، والاقتراب من الجمهور لا يعني التنازل عن قيمة الشعر أو مكانة الشاعر.
لقد تغيرت طرائق الناس في تلقي المعرفة والفن والأدب، ولم يعد الجمهور ينتظر الثقافة بالطريقة نفسها التي كان ينتظرها بها من قبل. ولذلك فإن تجديد أساليب تقديم الأمسيات الشعرية قد يكون وسيلة لإعادة الشعر إلى مساحات أوسع من الحضور، وجذب شرائح مختلفة من المجتمع، من غير أن يفقد خصوصيته أو قيمته.
وإذا أصبحت الأمسيات أقل نخبوية وأكثر قدرة على الوصول إلى الناس، فقد تستعيد شيئًا من وظيفتها الأصلية: أن تجعل الشعر حاضرًا بينهم، لا محصورًا في دائرة ضيقة من المهتمين به.
وهنا لا يكون السؤال: هل نحضر الأمسية أم لا؟ بل: ماذا نريد منها؟
إذا كانت مجرد منصة لإلقاء القصائد ثم التصفيق والانصراف، فقد لا يكون حضورها ضرورة لكل محب للشعر. أما إذا كانت لقاءً حيًا بين النص وصاحبه وجمهوره، تفتح بابًا للتعارف والحوار، وتصل الشاعر بالناس والناس بالشعر، فإنها تصبح جزءًا من الحياة الثقافية نفسها.
ما الذي فاتني؟
ربما لهذا السبب كان أسفي على الأمسية التي فاتتني أكبر مما توقعت. لم أكن حريصًا على حضور الأمسيات طوال حياتي، ومع ذلك وجدتني أسأل نفسي إن كنت قد فوّت شيئًا يتجاوز الأمسية ذاتها.
وربما كانت الإجابة أبسط مما ظننت.
ليس حضور الأمسية واجبًا على الشاعر، وليس غيابه دليلًا على قلة محبته للشعر. فالعلاقة بالشعر لا تقاس بعدد المقاعد التي جلسنا عليها في القاعات. قد تكون القصيدة عند شاعر ما في كتاب يقرأه وحيدًا، وقد تكون عند آخر صوتًا يسمعه في قاعة، وكلاهما شكل من أشكال التلقي.
لكن الشاعر ليس منفصلًا عن المشهد الذي ينتمي إليه؛ فمشاركته في الحياة الثقافية، ولقاؤه بأهل الأدب والثقافة، يمنحانه صلة مختلفة بما يكتب وبمن يكتب لهم. والشعر، مهما كانت خصوصية علاقته بصاحبه، يظل في حاجة، بين حين وآخر، إلى أن يخرج من عزلته، من صفحات الكتب وخصوصية الشاعر، إلى فضاء مشترك يلتقي فيه الناس.
وهكذا أدركت أن ما أزعجني من غيابي لم يكن لأنني أخلفت واجبًا أدبيًا، وإنما لأنني ابتعدت عن شيء أحببته طويلًا، وعن شخص أقدّره، وعن مشهد أريد أن أكون جزءًا منه.
لعل الأمسية ليست هي الشعر كله، لكنها إحدى الطرق التي يعيش بها الشعر بين الناس. ولا يحتاج الشاعر إلى أن يحضر كل أمسية، لكنه يحتاج، بين حين وآخر، إلى أن يتذكر أن الشعر الذي يكتبه في عزلته له حياة أخرى حين يخرج إلى الناس.
أما أنا، فسأظل أحب الشعر بطريقتي، وأقرأه كما اعتدت، وأتردد قليلًا قبل أن أقول عن نفسي «شاعرًا». لكنني صرت أنظر إلى الأمسية بعين مختلفة؛ لا باعتبارها اختبارًا لانتمائي إلى الشعر، وإنما باعتبارها فرصة لأن أرى هذا الشعر الذي أحببته طويلًا وهو يعيش بين الناس.
ولذلك، حين فاتتني أمسية «بين طيبة ودمشق»، لم أفقد أمسية فحسب؛ لقد وجدت سؤالًا كنت أحتاج إلى أن أطرحه على نفسي:
هل يكفي أن نحب الثقافة في عزلتنا، أم أن بعض الحب لا يكتمل إلا بالحضور؟
التعليقات