حين اختارت أصالة أن تدفع ثمن أصالتها
في السنوات الأولى من الثورة السورية، اختارت أصالة أن تقول موقفها بصوت واضح. لم تكن تلك الأيام تسمح للكثيرين بأن يقولوا ما يريدون من دون ثمن، وكانت سوريا تدخل واحدة من أكثر مراحل تاريخها قسوة واضطرابًا. اختارت أن تكون مع أبناء بلدها الذين خرجوا يطالبون بالحرية، وأن تدفع من صورتها ومكانتها وعلاقتها بمؤسسات النظام ثمن ذلك الموقف.
ومنذ ذلك الوقت، لم تعد علاقتها بسوريا علاقة الفنانة ببلدها فحسب؛ صار بينها وبين المكان جرح لا يُرى. بلد تحبه، لكنها لا تستطيع أن تعود إليه، ومدينة ولدت فيها لكنها أصبحت بعيدة عنها، ومسرح تركته خلفها من دون أن تعرف متى ستقف عليه من جديد.
كان يمكن لها أن تختار الصمت، وأن تترك السنوات تمر، وأن تقول إن الفن لا علاقة له بالسياسة، أو إن النجاة الشخصية أحق من دخولها في معارك لا يعرف أحد إلى أين ستقودها. وربما كان ذلك أسهل. لكن الإنسان أحيانًا لا يختار ما هو أسهل، بل ما يستطيع أن يعيش بعده بسلام دون أن يشعر أنه خان ما يؤمن به.
وهذه، في ظني، هي المساحة الأكثر إنسانية في قصة أصالة. ليس المهم أن نتفق مع كل تفصيل في موقفها، وإنما أن نتأمل معنى أن يعيش المرء سنوات وهو يتحمل نتائج قرار اتخذه في لحظة كان يمكنه فيها أن يختار غيره.
فالمواقف لا تُختبر حين تكون بلا ثمن. بل حين يبدأ الإنسان بخسارة أشياء حقيقية بسبب ما يؤمن به، يصبح السؤال الأكثر قسوة: هل ما زلت تؤمن بما قلت حين يصبح عليك أن تدفع ثمنه؟
حين يطول الغياب عن الوطن
أتصور أن أصعب ما في الغياب ليس الغياب نفسه، وإنما السؤال الذي يأتي معه: هل كان يستحق؟
فالإنسان، مهما بدا صلبًا، يظل إنسانًا. يتعب، ويحن، ويضعف، ويعيد محاكمة نفسه. وقد يتساءل إن كان اختياره صائبًا، لا لأنه فقد إيمانه بما اختار، وإنما لأن ثمن الاختيار طال أكثر مما يحتمل.
وربما لهذا تكون التضحية الحقيقية أقل شبهًا بالبطولات التي نقرأ عنها في الروايات، وأكثر شبهًا بتلك اللحظات الصامتة التي لا يراها أحد: أن تستمر وأنت متعب، وأن تحمل قناعتك من بلد إلى بلد، وأن ترى وطنك من بعيد بينما تعرف أن العودة إليه ليست أمرًا بسيطًا.
الفنان، أكثر من غيره، يحمل وطنه بطريقة مختلفة. يحمله في صوته وذاكرته، وفي الأغنية التي يعرف كيف يغنيها لأنه عاشها. وربما لهذا لم تكن سوريا بالنسبة إلى أصالة مجرد بلد غابت عنه؛ كانت جزءًا من تكوينها نفسه.
وحين انتهى ذلك الفصل من التاريخ السوري بسقوط نظام الأسد وخلعه في ديسمبر 2024، انفتحت أمام السوريين أسئلة مؤجلة منذ سنوات: ماذا نفعل بكل ما حدث؟ كيف يعود الإنسان إلى مكان غادره؟ وهل يستطيع الوطن أن يستعيد أبناءه بعد كل هذه السنوات كما لو أن شيئًا لم يكن؟
ربما لا يستطيع.
فالعودة لا تمحو الغياب، كما أن الفرح لا يمحو الذاكرة. هناك أشياء تبقى في الروح حتى بعد أن تنتهي أسبابها.

حين عادت الأصالة إلى الشام
ثم جاءت اللحظة التي لم يكن يعرف أحد متى ستأتي.
في سبتمبر 2026، عادت أصالة إلى الشام وغنت على مسرح سوري للمرة الأولى منذ أكثر من ستة عشر عامًا. ولم أستطع أن أرى الحفل باعتباره حفلًا عاديًا.
تخيلت المسافة التي قطعتها تلك المرأة بين آخر مرة غنت فيها في دمشق وبين وقوفها من جديد أمام جمهور سوري. أكثر من ستة عشر عامًا تغيّر خلالها الناس، وكبر الأطفال، ورحل آخرون، وتبدلت المدن، وسقط نظام كان يبدو يومًا عصيًا على السقوط، وعاش بلد كامل سنوات من الحرب والخوف والنزوح والفقد.
ثم تعود هي.
تعود إلى المدينة التي خرجت منها، فلا هي المرأة نفسها التي غادرتها، ولا المدينة بقيت كما تركتها وراءها.
لذلك بدا المشهد أكبر من أغنية؛ كأن امرأة عادت لتلتقي بجزء قديم من نفسها ظل عالقًا هناك طوال سنوات الغياب.
ولعل أجمل ما في عودة أصالة أنها لم تعد بصوتها القديم فقط، وإنما حملت معها شيئًا من سوريا التي غابت معها. وفي أعمالها الأخيرة حضور للتراث السوري، وفي «الألبوم السوري» محاولة للعودة إلى ألوان موسيقية تنتمي إلى مناطق متعددة من البلاد. وهنا يصبح معنى العودة أوسع: ليست عودة الفنانة إلى مسرحها فحسب، وإنما عودة الصوت إلى ذاكرته الأولى.
كأنها تقول: لقد أخذت معي هذا البلد أينما ذهبت، وها أنا أعود به إليكم.
حين ترتدي الأصالة ثوبًا جديدًا
وهنا أعود إلى السؤال الأول.
ما قيمة التضحية؟
لا أظن أن التضحية تضمن لصاحبها النصر، ولا أن كل من دفع ثمن موقفه أصبح بالضرورة على حق. التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك، والإنسان كذلك. قد يضحي المرء من أجل فكرة خاطئة، وقد يكتشف بعد سنوات أنه أساء التقدير. لذلك ليست قيمة التضحية في مقدار ما نخسره، وإنما في صدق الإنسان مع ما يؤمن به، وفي قدرته على مراجعة نفسه من دون أن يتحول الخوف إلى بوصلته الوحيدة.
لكن الإنسان حين يختار أن يكون وفيًا لما يراه حقًا، لا يستطيع دائمًا أن يعرف أين ستقوده هذه الأمانة. ربما تأخذه بعيدًا عن بيته، وربما تحرمه أشياء يحبها، وربما يمر نصف عمره قبل أن تتغير الظروف.
لكن الزمن، أحيانًا، يعيد الأشياء إلى مواضعها بطريقة لا نتوقعها.
وهذا ما يجعل صورة أصالة وهي تغني في دمشق بعد كل هذه السنوات مؤثرة بالنسبة إليّ.
«لم تعد القضية في تلك اللحظة قضية فنانة وموقف سياسي فقط. أصبحت صورة عن الإنسان حين يخرج من وطنه، ثم يعود إليه بعد أن تغيّر كل شيء؛ عن سنوات مضت ولا يمكن استعادتها، وعن ذكريات لا يمحوها الغياب، وعن مدن تظل تسكننا حتى بعد أن نغادرها.»
ولأن اسمها «أصالة»، تبدو الحكاية كأنها استعارة كتبت نفسها بنفسها.
الأصالة تعود إلى أصلها
عادت إلى الشام، إلى المكان الذي بدأ سمع منه الصوت، وإلى الجمهور الذي يعرفه، وإلى الذاكرة التي ظلت مفتوحة طوال سنوات الغياب.
لكنني لا أريد أن أرى في هذه العودة كنهاية للحكاية.
فالعودة الحقيقية ليست أن تعود إلى المكان فقط، وإنما أن تجد فيه ما يجعلك قادرًا على البقاء. وليست أن تفتح المسارح أبوابها للفنانين فحسب، وإنما أن تفتح البلاد أبوابها لأبنائها جميعًا؛ أن يصبح الوطن مكانًا لا يخاف فيه الإنسان من صوته، ولا يضطر فيه إلى مغادرته كي يحافظ على كرامته.
عندها فقط يصبح للعودة معنى آخر.
ولعل هذا هو ما بقي لي من حكاية أصالة: أن التضحية لا تعيد لنا دائمًا ما فقدناه، لكنها قد تحفظ لنا الطريق إليه. وأن الإنسان قد يبتعد عن المكان الذي يحبه سنوات طويلة، ثم يعود إليه يومًا، فيكتشف أن بعض الأشياء لم تكن تنتظره في المكان بقدر ما كانت تنتظره في داخله.
وهكذا، وسط كل ما تغير، بقي صوتها يعرف الطريق إلى الشام.
وربما لهذا كانت تلك الليلة، بالنسبة إليّ، كأن شيئًا قديمًا في سوريا لم يعد إلى الحياة فحسب، بل عاد إلى أصالته.
شكرًا، أصالة.
التعليقات