الفجوة التي تبدأ صغيرة ثم تبتلع العلاقة
تعود إشكالية العلاقات غالبًا إلى عدة نواحٍ، أولها يبدأ منذ نشأتها. فالعلاقة حتى تترسخ بين طرفين يجب ألا تكون هناك طبقة تحيط بهما أو حواجز معينة في سياق التواصل. فكل علاقة تحتاج إلى مساحة من الصراحة، ومساحة من العفوية، ومساحة يشعر فيها كل طرف أنه يستطيع أن يكون نفسه دون أن يؤدي دورًا اجتماعيًا مرسومًا.
الغريب أن هذه الطبقة أو الفجوة هي التي ستبتلع العلاقة في أي عاصفة أو رياح قادمة. ولذلك هي علاقة كرتونية مهما طال عمرها؛ غير متجذرة في النفوس أو القلوب، مبنية على أساس خفيف يتهوى ويتبخر مباشرة عند أول اختبار حقيقي.
فالسنوات وحدها لا تصنع علاقة عميقة. يمكن لعلاقة أن تعيش عشرين عامًا ولا تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام. ويمكن لأشخاص أن يلتقوا طوال عمرهم، ثم يكتشفوا في لحظة واحدة أنهم لم يلتقوا فعلًا.
النسب لا يصنع الحميمية
ربما نبالغ أحيانًا في الاعتقاد بأن الدم قادر وحده على صناعة الألفة. وكأن وجود رابطة عائلية يكفي لتأسيس علاقة متينة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. النسب يمنح العلاقة عنوانًا، لكنه لا يمنحها بالضرورة مضمونًا.
فالحميمية ليست إرثًا عائليًا ينتقل مع الأسماء، وليست شيئًا يُفرض علينا لأن شجرة العائلة تقول إننا أقارب. الحميمية تُبنى. تُبنى بالوقت، والاهتمام، والاستماع، والمواقف، والقدرة على الحضور حين لا يكون هناك ما يدفعنا إلى الحضور سوى الرغبة الصادقة.
ولهذا يمكن أن تجد شخصًا لا تربطك به صلة دم، لكنه يعرفك أكثر من بعض أقرب الناس إليك. ليس لأن الدم بلا قيمة، وإنما لأن العلاقة الإنسانية تحتاج إلى ما هو أبعد من رابطة الدم كي تصبح علاقة حقيقية.
لماذا نستمر في علاقة نعرف أنها فارغة؟
ومن هنا علينا أن نسأل: إذا كانت علاقتنا بهذا الشكل من الشفافية، فلماذا لا نزال نحافظ عليها؟ ولماذا نقدم الحد الأدنى، رغم علمنا مسبقًا بأن لا مستقبل لهذه العلاقة في أحسن حالاتها خارج إطار المجاملة؟
ربما لأننا نخاف من الاعتراف بحقيقة مؤلمة: أننا أصبحنا نحافظ على بعض العلاقات ليس حبًا بها، وإنما خوفًا من سقوط صورتها. نخشى أن نقول إننا لم نعد قريبين، لأن الاعتراف بذلك يعني مواجهة سنوات طويلة من الوهم الاجتماعي.
فنستمر في السؤال التقليدي، والزيارة التقليدية، والتهنئة التقليدية، والضحكة التقليدية. كل شيء موجود، لكن شيئًا واحدًا مفقود: الحياة داخل العلاقة.
وهنا تتحول العلاقة إلى طقس اجتماعي أكثر منها رابطة إنسانية. نؤدي واجباتها كما يؤدي المرء مهمة مطلوبًا منه إنجازها، لا كما يفعل شخص يريد فعلًا أن يكون حاضرًا في حياة شخص آخر.
المجاملة حين تحل محل المحبة
الحميمية عندما لا تكون موجودة في العلاقة تصبح مجرد تكليف بلا نكهة أو طعم حقيقي. والمجاملة، مهما بدت جميلة في ظاهرها، لا تستطيع أن تحمل علاقة كاملة على كتفيها.
المجاملة تصلح لأن تكون جسرًا مؤقتًا بين الناس، لكنها لا تصلح أن تكون أساسًا لبيت كامل.
لذلك أشك أن كرتونية بعض العلاقات ستختفي لمجرد مرور الوقت. فالعلاقات إذا لم تكن عميقة غالبًا لن تتغير مع الزمن. الوقت لا يعالج دائمًا ضعف العلاقة؛ أحيانًا يكشفه فقط. وكلما طال عمر العلاقة دون أن يزداد عمقها، أصبح من الصعب تجاهل حقيقة أنها كانت قائمة على الاعتياد أكثر من القرب.

الاختلاف يكشف ما أخفته المجاملات
وتزداد المشكلة وضوحًا عندما تدخل الخلافات في الصورة. ففي العلاقات الحقيقية، الاختلاف لا يعني بالضرورة النهاية. قد نختلف، ونغضب، ونتباعد قليلًا، لكن يبقى هناك شيء أعمق من الخلاف يستطيع إعادة العلاقة إلى مكانها.
أما العلاقة الكرتونية، فالخلاف فيها لا يصنع شرخًا بقدر ما يكشف أن الشرخ كان موجودًا أصلًا.
عند أول اختلاف في الرأي، أو أول موقف يحتاج إلى تفهّم، أو أول أزمة تحتاج إلى موقف حقيقي، تبدأ الطبقات الخارجية بالسقوط. وحين تسقط، نكتشف أن ما كنا نظنه علاقة لم يكن سوى مجموعة من العادات الاجتماعية المتكررة.
وهنا نصل إلى المرحلة الأخيرة من رحلة هذه العلاقة: مرحلة الحقيقة.
الحقيقة التي كانت مغلفة داخل هذا الكرتون منذ سنوات عديدة. الحقيقة التي تقول إن بعض العلاقات لم تكن قوية ثم ضعفت، بل كانت ضعيفة منذ البداية، لكننا كنا نمنحها الوقت والقرابة والمناسبات ما يكفي لإخفاء ضعفها.
الأزمات لا تصنع هشاشة العلاقة، بل تكشفها
وربما لهذا تكون الأزمات مهمة رغم قسوتها. فهي لا تأتي دائمًا لتدمير العلاقات، وإنما لتخبرنا عن طبيعتها.
في الأيام العادية يستطيع الجميع أن يبدو قريبًا. يمكن للجميع أن يسأل: كيف حالك؟ ويمكن للجميع أن يبتسم ويجلس ويتبادل الأحاديث. لكن السؤال الحقيقي يظهر عندما يصبح وجودنا مكلفًا، أو عندما يحتاج الآخر إلى وقتنا، أو تفهّمنا، أو دفاعنا، أو مجرد جلوسنا إلى جواره دون مصلحة.
هناك تحديدًا تتوقف المجاملات عن العمل.
ومن هنا يمكن القول إن قوة العلاقة لا تُقاس بعدد السنوات التي عاشتها، وإنما بعدد المرات التي اختُبرت فيها وبقيت واقفة.
مشكلة العلاقات الكرتونية أنها تمنحنا وهمًا بالأمان
الجانب الأخطر في هذه العلاقات ليس أنها ضعيفة، بل أنها تمنحنا إحساسًا زائفًا بأنها قوية.
وجود الأقارب حولنا، وكثرة المناسبات، وتبادل الرسائل، والجلوس في المكان نفسه، كل ذلك قد يجعل الإنسان يعتقد أن لديه شبكة واسعة من العلاقات. لكن عند الحاجة الحقيقية قد يكتشف أن كثيرًا من هذه الروابط لا يستطيع أن يلجأ إليها.
وهذه ربما واحدة من أكثر المفارقات قسوة في العلاقات الإنسانية: أن تكون محاطًا بالكثير، لكنك لا تجد أحدًا حين تحتاج فعلًا إلى أحد.
العلاقة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض قربها
العلاقة الصلبة غالبًا لا تحتاج إلى أن تثبت نفسها باستمرار. لا تحتاج إلى كثرة الكلام عنها، ولا إلى استعراض القرب في المناسبات. يكفي أن تشعر أن هناك شخصًا تستطيع العودة إليه دون مقدمات طويلة، وأن المسافة مهما طالت لا تلغي مكانتك لديه.
العلاقات العميقة لا تقوم على الحضور الدائم، بل على الثقة الدائمة.
قد لا نتحدث كل يوم، وقد لا نلتقي كثيرًا، لكننا نعرف أن العلاقة موجودة، وأنها لا تحتاج إلى إعادة تعريف في كل مرة نلتقي فيها. وهذا هو الفارق بين علاقة تعيش على التواصل وعلاقة تعيش على المعنى.
وفي النهاية... ليست كل علاقة تستحق أن تُسمى علاقة
ربما علينا أن نعيد النظر في الطريقة التي نصف بها علاقاتنا. فليس كل من نعرفه صديقًا، وليس كل من يجمعنا به الدم قريبًا، وليس كل علاقة طويلة علاقة عميقة.
بعض العلاقات مجرد هياكل واقفة لأننا اعتدنا رؤيتها واقفة.
وحين تهب أول عاصفة، نكتشف أنها لم تكن مبنية من الداخل أصلًا.
لذلك، فإن العلاقة القائمة على المجاملات، خصوصًا في سياق علاقة يفترض أن تكون صلبة، هي في نهاية الأمر علاقة فاشلة لا مستقبل حقيقيًا لها. ليس لأنها لم تكن مثالية، فالإنسان لا يبحث عن علاقات مثالية، وإنما لأنها لم تمتلك الأساس الذي يجعلها قادرة على الاستمرار.
العلاقة الحقيقية ليست تلك التي لا تسقط أبدًا، بل تلك التي تمتلك جذورًا تجعل سقوطها أصعب من أن تقتلعها أول ريح.
التعليقات