|
|
|
الحمدُ للهِ الذي جعل لعباده مواسمَ للخيرات، تتنزل فيها الرحمات، وتُضاعف فيها الحسنات، وتُمحى بها السيئات، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ ﷺ خيرِ من عبد الله وقام بحقّه، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.إنَّ يومَ عرفةَ ليس يوماً عابراً في حياة المسلم، بل هو من أعظم أيام الدنيا عند الله تعالى؛ يومٌ تتجلى فيه معاني العبودية والانكسار والافتقار إلى الله جل جلاله. ففيه يقف الحجاج على صعيد عرفة متجردين من زينة الدنيا، رافعين أكفَّ الدعاء والرجاء، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، في مشهدٍ تهتز له القلوب المؤمنة وتخشع له الأرواح.وقد جعل الله لهذا اليوم منزلةً عظيمة، حتى صار ركن الحج الأعظم الذي لا يصح الحج بدونه؛ وقد بيّن النبي ﷺ عِظَم هذا الركن حين جاءه أناسٌ من نجد وهو واقف بعرفة يسألونه عن الحج، كما روى الصحابي عبد الرحمن بن يعمر الديلي رضي الله عنه قال: "شَهِدْتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بعَرفةَ وأتاهُ ناسٌ من نَجدٍ، فأمَروا رجلًا، فسألَهُ عنِ الحجِّ، فقالَ: الحجُّ عرفةُ، مَن جاءَ ليلةَ جمعٍ قبلَ صلاةِ الصُّبحِ فقد أدرَكَ حَجَّه، أيَّامُ منًى ثلاثةُ أيَّامٍ، مَن تعجَّلَ في يومينِ فلا إثمَ عليهِ، ومَن تأخَّرَ فلا إثمَ عليهِ، ثمَّ أردَفَ رجلًا، فجعلَ يُنادي بِها في النَّاسِ" (أخرجه النسائي في سننه وصححه الألباني).كما شرع الله لغير الحاج صيام هذا اليوم العظيم، وجعل فيه من الفضل ما تتحير له النفوس لعظيم كرم الله وفضله، فقال ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ".
|
|
فضل يوم عرفة ومكانته
|
|
|
لقد عظّم الله تعالى يوم عرفة تعظيماً ظاهراً في كتابه وسنة نبيه ﷺ، فهو يومٌ
أكمل الله فيه الدين، وأتم فيه النعمة على هذه الأمة، قال سبحانه:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
|
|
|
وقد نزلت هذه الآية على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة يوم الجمعة، كما ثبت في
الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجمع الله لهذا اليوم بين شرف
الزمان وشرف المكان.
|
|
|
ومن فضائل هذا اليوم أن الله تعالى يباهي بأهل عرفة ملائكته، وأنه أكثر يوم
يعتق الله فيه عباده من النار، قال ﷺ في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها
وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه:
"مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ
النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ".
|
|
|
وفيه كذلك أعظم مواطن الدعاء وأرجى أوقات الإجابة، فقد قال ﷺ في الحديث الذي
أخرجه الإمام الترمذي في سننه وحسنه الألباني:
"خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ".
|
|
|
ولهذا كان السلف الصالح يعظمون هذا اليوم غاية التعظيم، ويجتهدون فيه بالذكر
والدعاء والبكاء والتضرع؛ إدراكاً منهم لعظيم فضله وقرب رحمة الله فيه.
|
|
يوم عرفة… فرصة قد لا تتكرر
|
|
|
يمر يوم عرفة على كثيرٍ من الناس كما تمر بقية الأيام؛ ساعاتٌ تنقضي، وصيامٌ
ينتهي، ثم يعود الإنسان بعدها إلى غفلته وكأن شيئاً لم يكن. وهذه من أعظم
الخسارات؛ لأن المؤمن يعلم أن مواسم الطاعة ليست مضمونة البقاء، وأنه قد يدرك يوم
عرفة هذا العام ثم لا يبلغه في عامٍ قادم.
|
|
|
كم من أناسٍ كانوا بيننا في الأعوام الماضية ثم غيبهم الموت؟ وكم من إنسانٍ
كان يؤجل التوبة ويؤمّل الرجوع إلى الله حتى باغته الأجل قبل أن يتوب؟
|
|
|
إن يوم عرفة ليس مجرد يومٍ للصيام العابر، بل هو محطة إيمانية فارقة قد تغير
مجرى حياة الإنسان كلها. فقد تكون دعوة صادقة في هذا اليوم سبباً في صلاح القلب،
أو دمعة ندم سبباً في مغفرة الذنوب، أو لحظة صدق مع الله بدايةً لطريق الهداية
والثبات.
|
|
|
|
|
كيف كان السلف يستقبلون يوم عرفة؟
|
|
|
كان السلف الصالح رحمهم الله يعرفون
قيمة المواسم الإيمانية حق المعرفة، ولذلك كانوا يستقبلون يوم عرفة بقلوبٍ حاضرة
ونفوسٍ مقبلة على الله تعالى.
|
|
|
لم يكن يوم عرفة عندهم يوم نومٍ ولهوٍ
وغفلة، بل يوم عبادة وخشوع ومحاسبة دقيقة للنفس. كانوا يكثرون فيه من تلاوة
القرآن، والذكر، والاستغفار، والدعاء الطويل، ويتحرّون ساعات الإجابة بقلوبٍ
منكسرة بين يدي الله.
|
|
|
وقد ورد في الأثر المرسل الذي رواه
الإمام مالك في الموطأ:
"مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ أَصْغَرَ وَلَا أَحْقَرَ وَلَا
أَدْحَرَ وَلَا أَغْيَظَ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ
الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ".
|
|
|
لقد كانوا يدركون أن أعظم ما يحيي
القلوب في هذه الساعات ليس كثرة الكلام والخلطة بالناس، بل صدق الإقبال على الله
والخلوة بأسمائه وصفاته.
|
|
كيف يحيي المسلم يوم عرفة؟
|
|
|
إن إحياء يوم عرفة لا يكون بمجرد
الامتناع عن الطعام والشراب، بل يكون بإحياء القلب بالطاعة، وعمارتِه بالذكر
والإنابة إلى الله تعالى.
|
|
|
يبدأ المسلم يومه بتجديد التوبة
الصادقة وتصحيح النية، مستشعراً أنه مقبل على يومٍ هو من أعظم أيام الدنيا. ثم
يحرص على الصيام، والمحافظة على الصلوات في مواقيتها مع سننها الراتبة، والإكثار
من الذكر، وخاصة التهليل، فقد قال ﷺ في بقية حديثه الذي رواه الترمذي:
"وخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي:
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ
الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
|
|
|
ويستحب للمسلم أن يركز جهده وجوارحه في
هذا اليوم للدعاء، وأن يغتنم ساعاته في سؤال الله من خير الدنيا والآخرة؛ فإن
القلوب في هذا اليوم تكون أقرب إلى الخشوع، والرحمة فيه أرجى، وأبواب السماء
مفتوحة لعباد الله الصادقين.
|
|
|
كما أن تلاوة القرآن، والصدقة، وبر
الوالدين، وصلة الأرحام، وقضاء حوائج الناس تعد من أعظم ما يتقرب به العبد إلى
مولاه في هذا اليوم المبارك.
|
|
احذر أن يضيع منك فضل هذا اليوم
|
|
|
من المؤلم حقاً أن تضيع الساعات
المباركة من يوم عرفة في النوم الطويل، أو اللهو، أو متابعة فضول الكلام عبر
الشاشات والهواتف، ثم لا يتذكر الإنسان الدعاء إلا قبيل المغرب بدقائق معدودة.
|
|
|
إن مواسم الطاعة إذا رحلت لا تعوض،
والعاقل الحريص هو من يعرف قيمة الأيام والساعات قبل رحيلها. فربما كانت هذه آخر
عرفةٍ تشهدها في حياتك، فاحذر من الغفلة، وأقبل على الله بقلبٍ صادق، فإن الله لا
يرد عبداً أقبل إليه منيباً.
|
|
طِيبُ الختام..
|
|
|
يا من أثقلتك الذنوب.. هذا يوم الرحمة
الواسعة.
|
|
|
ويا من أرهقك التقصير.. هذا يوم العفو
والمغفرة.
|
|
|
ويا من ضاقت بك الدنيا.. هذا يوم الفرج
والقرب من ملك الملوك.
|
|
|
قف مع نفسك في يوم عرفة وقفة صدق،
وجدّد عهدك مع الله تعالى، وأكثر من الدعاء والرجاء، وأحسن الظن بربك الكريم؛ فإنه
سبحانه لا يرد من طرق بابه صادقًا منيبًا.
|
|
|
نسأل الله تعالى أن يبلغنا يوم عرفة،
وأن يرزقنا فيه الإخلاص والقبول، وأن يعتق رقابنا ورقاب والدينا من النار، وأن
يجعلنا من المقبولين الفائزين.
|
|
|
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين.
|
|
التعليقات