تآكل الصرامة المعرفية في الدراسات العليا
لطالما كانت الشهادات العليا الأكاديمية معيارًا للكفاءة والقدرة الإنتاجية؛ فهي خير دليل على تمكن الباحث من الغوص في أعماق المعرفة، واستخراج فائدة تضيف إلى النتاج البشري إسهامًا جديدًا ومبتكرًا. وكان هذا النتاج، مقترنًا بالمنهجية العلمية الرصينة، برهانًا على قوة البناء المعرفي لدى الطالب، وشهادةً بأنه ضليع في تخصصه، قادر على النقد والتحليل والإضافة، لا مجرد استرجاع ما كتبه الآخرون.
ولم يكن الحصول على درجتي الماجستير أو الدكتوراه أمرًا يسيرًا؛ إذ كانت الرحلة العلمية قائمة على سنوات من القراءة، والنقاش، والبحث، والاحتكاك بالخبرات الأكاديمية، حتى يصل الباحث إلى مرحلة يصبح فيها مؤهلًا للإسهام في تطوير تخصصه. وكانت لجان المناقشة تمارس دورًا علميًا حقيقيًا، فتختبر الباحث في منهجه وأدواته ونتائجه، وربما أعادت الرسالة إليه مرات عديدة قبل إجازتها إذا لم تبلغ المستوى المطلوب.
إلا أن المتأمل في واقع التعليم العالي اليوم يلاحظ أن بعض هذه المعايير أخذت تتراجع، وأصبحت القواعد الأكاديمية في بعض المؤسسات أقرب إلى الشكلية منها إلى الجوهر. فبعد أن كانت الصرامة هي الأصل، أصبح التركيز في بعض الأحيان منصبًا على استكمال الإجراءات النظامية أكثر من التركيز على جودة المنتج العلمي نفسه. ونتيجة لذلك، تضاءلت هيبة الدراسات العليا، وأصبح بالإمكان تخريج باحثين يحملون أعلى الدرجات العلمية دون أن يمتلكوا العمق المعرفي الذي كانت هذه الدرجات تمثله تاريخيًا.
ولا يعني ذلك أن الجامعات العربية جميعها تعيش هذا الواقع، فهناك جامعات ما تزال تحافظ على معايير رفيعة، إلا أن الظاهرة في بعض المؤسسات أصبحت جديرة بالنقاش؛ لأنها تمس مستقبل البحث العلمي، وتمس ثقة المجتمع بالشهادات الأكاديمية نفسها.
اقتصاديات التعليم... حين يطغى منطق السوق على جودة المعرفة
إن ميل النظام الأكاديمي نحو البرامج المدفوعة يعود في جانب كبير منه إلى سعي الجامعات إلى تحقيق الاستقلال المالي، بما يمكّنها من تمويل مشروعاتها، وتطوير بنيتها التحتية، وتعزيز دورها في خدمة المجتمع. ولا يمكن اعتبار البرامج المدفوعة مشكلة في ذاتها؛ إذ إن كثيرًا من الجامعات العالمية تعتمد عليها بوصفها مصدرًا مشروعًا للدخل، دون أن يؤثر ذلك في مكانتها العلمية أو جودة مخرجاتها.
غير أن الفارق لا يكمن في وجود الرسوم، وإنما في الفلسفة التي تُدار بها هذه البرامج. ففي كثير من الجامعات العالمية تبقى الرسوم وسيلة لدعم الرسالة الأكاديمية، بينما تتحول في بعض الجامعات العربية إلى غاية قائمة بذاتها، بحيث تصبح المحافظة على التدفق المالي أولوية تتقدم على المحافظة على الصرامة العلمية.
ومن هنا بدأ التوسع في بعض برامج الدراسات العليا بطريقة جعلت الكم يتقدم على الكيف، وأصبح فتح البرامج مرتبطًا أحيانًا بالقدرة على استقطاب أكبر عدد من الدارسين أكثر من ارتباطه بالحاجة العلمية أو بقدرة الأقسام الأكاديمية على الإشراف والمتابعة. ومع مرور الوقت، انعكس هذا التوسع على طبيعة الرسائل العلمية، ومستوى الإشراف، وآلية المناقشات، حتى أصبحت بعض المناقشات لا تتجاوز كونها ملاحظات شكلية لا تؤثر في منح الدرجة العلمية.
وإذا أضفنا إلى ذلك غياب الصرامة في بعض الحالات، وتداخل العلاقات الشخصية، فإن العلاقة بين الجامعة والباحث قد تنزلق تدريجيًا من علاقة تقوم على إنتاج المعرفة إلى علاقة يغلب عليها منطق الخدمة المدفوعة، وكأنها علاقة بين مشترٍ وبائع. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ لأن المؤسسة التي تعتاد الاعتماد على هذا النموذج قد تجد نفسها مع مرور الزمن أسيرة لإيراداته، فتغدو أكثر ترددًا في تشديد المعايير الأكاديمية خشية انخفاض الإقبال على برامجها.
إن الجامعات التي نجحت عالميًا في الجمع بين الاستدامة المالية والتميز الأكاديمي لم تحقق ذلك لأنها رفضت الاستثمار في التعليم، بل لأنها وضعت حدودًا واضحة لا تسمح للمال بأن يتدخل في معايير الجودة. أما حين تُدار الجامعة بعقلية تجارية بحتة، فإنها تخاطر بفقدان رأس مالها الحقيقي، وهو سمعتها العلمية.

الأستاذ الجامعي... ضحية المنطق التجاري وسياسات التوفير
لا يقتصر أثر هذا التحول على الطالب أو على جودة الرسائل العلمية، بل يمتد إلى الأستاذ الجامعي نفسه، الذي يُفترض أن يكون القلب النابض لأي مؤسسة أكاديمية. فالأستاذ ليس ناقلًا للمعلومات، وإنما صانع معرفة، وموجه للأبحاث، ومربٍ للأجيال، وعقلٌ يقود الحركة العلمية داخل الجامعة.
إلا أن الواقع في بعض الجامعات يشير إلى أن عضو هيئة التدريس أصبح مثقلًا بكم كبير من الأعباء الإدارية والبيروقراطية، حتى بات يقضي جزءًا معتبرًا من وقته في إنجاز معاملات يمكن أن يتولاها موظفون إداريون، على حساب البحث العلمي والإشراف الأكاديمي والتطوير المعرفي.
ومع تزايد أعداد البرامج والطلاب، وتراجع الوقت المخصص للبحث والتأليف، تحول الأستاذ في بعض الأحيان إلى ناقل للمحتوى أكثر منه منتجًا له. وبعد أن كان الطلاب يقصدونه للاستفادة من خبرته العلمية وتجاربه البحثية، أصبح كثير منهم يكتفي بما يقدمه داخل قاعة المحاضرة، في ظل تراجع دوره بوصفه مرجعًا علميًا مؤثرًا.
وهكذا تدخل الجامعة في حلقة مفرغة؛ إذ يؤدي ضعف البحث العلمي إلى ضعف المخرجات، ثم تعود هذه المخرجات لتشغل مواقع أكاديمية جديدة، فتتكرر الدورة من جديد، ويتراجع المستوى عامًا بعد عام. وربما تحقق هذه السياسة مكاسب مالية آنية، لكنها تُضعف على المدى البعيد القدرة على إنتاج علماء حقيقيين، حتى يصبح العثور على أستاذ جامع بين هذا الكم من المخرجات أمرًا نادرًا، أشبه بالبحث عن شعرة بيضاء في وسط صوف رمادي.
الخاتمة
إن القضية ليست في وجود البرامج المدفوعة، ولا في سعي الجامعات إلى تنويع مصادر دخلها؛ فذلك أصبح واقعًا عالميًا تفرضه تحديات العصر. وإنما تكمن المشكلة في اللحظة التي تُقدَّم فيها الاعتبارات المالية على الرسالة العلمية، فتتحول الجامعة من مؤسسة لإنتاج المعرفة إلى مؤسسة لتسويق الشهادات.
إن إصلاح التعليم العالي لا يبدأ بزيادة عدد البرامج، ولا برفع الإيرادات، وإنما بإعادة الاعتبار للصرامة الأكاديمية، وتعزيز استقلالية القرار العلمي، وتوفير البيئة التي تمكّن الأستاذ الجامعي من أداء رسالته، وإعادة الثقة إلى الدراسات العليا بوصفها مصنعًا للباحثين لا مجرد محطة للحصول على مؤهل.
فالجامعات التي تبني مجدها على المعرفة تخلد في التاريخ، أما الجامعات التي تبنيه على الإيرادات وحدها فقد تربح ميزانياتها اليوم، لكنها تخسر رسالتها غدًا، ورسالة الجامعة هي أثمن ما تملكه.
التعليقات