الجذور التجارية لمعارض الكتب
بدأت قصة معارض الكتب بصورتها التجارية منذ القرون الوسطى، حيث ارتبطت بظهور أسواق ومعارض تجارة الكتب في أوروبا، مثل معرض فرانكفورت للكتاب، الذي تعود جذوره إلى الفترة التي أعقبت اختراع المطبعة في القرن الخامس عشر على يد يوهان غوتنبرغ.
وفي تلك الحقبة، كانت المعارض وسيلة تجارية تجمع الناشرين والكتّاب وبائعي الكتب لتبادل المخطوطات والإصدارات الحديثة، كما كانت وسيلة فعالة لتوفير أكبر قدر ممكن من الكتب في مكان واحد.
ومع حلول القرن العشرين، تغير المشهد بصورة كبيرة، ومع ازدياد الوعي بأهمية القراءة، بدأت المعارض في تقديم نفسها بوصفها ملتقى ثقافيًا ينبغي للقارئ أن يقصده كل عام لينهل منه المعرفة، متخففةً تدريجيًا من صورتها التجارية التقليدية، ومتزينةً بصورة الحامي للثقافة والراعي للمعرفة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصبح الكاتب نفسه جزءًا من هذا التصور الجديد، فتحول في كثير من الأحيان إلى واجهة تسويقية تعزز هذا المفهوم في أذهان الجمهور، بينما تحولت العلاقة بين القارئ والكتاب إلى علاقة استهلاك موسمي مكثف، يشتري فيها القارئ عشرات الكتب خلال أيام معدودة، في حين تجني دور النشر أرباحًا كبيرة خلال مواسم قصيرة لا تتجاوز بضعة أيام من كل عام.

التسويق بثوب الثقافة
كان استغلال الوقت، وتقليل التكاليف، واختصار سلاسل التوريد المعقدة، من أبرز الأسباب التي أسهمت في نشأة معارض الكتب الحديثة، وهو ما جعلها لسنوات طويلة نشاطًا تجاريًا بالدرجة الأولى.
إلا أن دور النشر في السنوات الأخيرة سعت إلى إضفاء طابع ثقافي أكثر وضوحًا على هذه المعارض، في محاولة لإظهارها بوصفها مشاريع ثقافية لا تجارية، وهو ما أراه محاولة لصناعة صورة تختلف عن طبيعة النشاط الذي ظل يتكرر سنويًا عبر قرون طويلة.
ولو كانت الغاية الأساسية ثقافية خالصة، فما الذي يفسر الحضور الطاغي للنشاط التجاري داخل هذه المعارض؟ وما الذي يجعل المبيعات والتخفيضات والإعلانات والفعاليات التسويقية تحتل هذا القدر الكبير من المشهد؟
وفي تقديري، فإن هذه المحاولات لا تلغي الطبيعة التجارية للمعارض، بل تخفف من حضورها الظاهري فحسب، بينما يبقى النشاط التجاري هو المحرك الأساسي لها، في حين يأتي الجانب المعرفي والثقافي في مرتبة تالية.
أما الندوات والمؤتمرات والفعاليات المصاحبة، فهي ـ في نظري ـ لا تكفي وحدها لإثبات أن الهدف الرئيس لهذه المعارض هو نشر المعرفة؛ إذ إن كثيرًا من المشاركين فيها هم جزء من المنظومة ذاتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولذلك لا أرى في هذه الفعاليات برهانًا كافيًا على تغير طبيعة هذه المعارض أو أهدافها الأساسية.
الخاتمة
ولعل المشكلة الحقيقية لا تكمن في كون معارض الكتب نشاطًا تجاريًا، فالتجارة في ذاتها ليست تهمة ولا عيبًا يستوجب الإنكار، وإنما تكمن في محاولة إضفاء قداسة ثقافية على نشاط تجاري بحت، وتقديمه بوصفه بوابة المعرفة السنوية التي ينبغي للقارئ أن يقصدها كل عام.
فالمعرفة لم تكن يومًا حكرًا على الأروقة المزدحمة، ولا على حفلات التوقيع، ولا على صور الرفوف الممتلئة بالكتب التي قد لا يُفتح كثير منها بعد انتهاء المعرض. فالكتاب اكتسب قيمته عبر التاريخ من كونه وعاءً للعلم والمعرفة، لا من كونه سلعة موسمية تخضع لمنطق العروض والتخفيضات والضجيج الإعلامي.
وحين يصبح اقتناء الكتاب أهم من قراءته، وتصبح المشاركة في المعرض أهم من الاستفادة مما يُشترى فيه، فإننا نكون قد انتقلنا من ثقافة المعرفة إلى ثقافة الاستعراض المعرفي، ومن تقديس المحتوى إلى تقديس المظهر.
وربما لهذا السبب لا أرى في معارض الكتب أكثر من أسواق موسمية نجحت في ارتداء عباءة الثقافة، حتى بات كثير من الناس يخلطون بين حب المعرفة وحب التواجد في محيطها، وبين القراءة الحقيقية والاستهلاك الثقافي الذي لا يلبث أن ينتهي بانتهاء أيام المعرض وإغلاق أبوابه.
التعليقات