الكتابة داخل صندوق! الكتابة داخل صندوق!

تجربة العيش بلا هواء لمدة 3 أيام 💀 - العدد #21

بواسطة م. طارق الموصللي #العدد 21 عرض في المتصفح
العنوان لا يحمل معنى حرفيًا، وليس لاستجداء الشفقة أيضًا.. هو مجرد خاطرة غاضبة.
بالمناسبة، العدد طويل، كمعظم نوبات الغضب، لذا يمكنك رميه في "المفضلة" لقراءته لاحقًا إن أردت.

أسعى منذ أيام للتدوين حول الموضوع، لكنني فقط أجد في نفسي تمنّعًا ما. وفكرت بنشره ضمن تدوينة، ثم أدركت أنها ستضيع وسط محتوى تخصصي (نوعًا ما). لكن إن كانت مدونتي متخصصة نوعًا ما، فالنشرة متخصصة بالكليّة!
إذًا، لماذا أنشر عددًا كهذا؟!

لا أمتلك إجابة

حسنًا، ما فحوى الموضوع؟
 باختصار، قررت قبل أسبوعين التوقف عن استهلاك السكر تمامًا. يمكنكم القول أنه جاءني "وحي" بفعل ذلك، فكان لا بدّ ليّ من الامتثال للأمر دون نقاش ودون تدّرج.
وعلى عكس محاولاتي السابقة الإقلاع عن التدخين، مستغلًا شهر رمضان تارةً، وإصابتي بالسرطان حينًا. نجحت حتى الآن.

لكن فكرة العدد (الذي كان تدوينة أصلًا) راودتني في اليوم الرابع للانقطاع، وكنت سأستخدم عنوانًا مباشرًا كـ: تجربتي في الانقطاع عن السكر لمدة 3 أيام.
ثم أسرد تفاصيل التجربة، وأعقبها بحديثٍ مهم (يتضمن الكثير من اللوم).

تجربة الانقطاع عن استهلاك السكر والسُكريات

يمرّ المرء بـ 3 أيامٍ عجاف؛ يتخللهنّ هبوط في الطاقة والمزاج. وقد مرّت تلك الأيام بسلام بفضل قدرتي على الانعزال داخل غرفتي وعدم التفاعل مع أحد (سلبًا أو إيجابًا).


في اليوم الرابع، شعرت بنهضة طاقيّة عالية، فتمكنّت -منذ سنوات- من إمضاء 18 ساعة مستقيظًا (أقصد دون قيلولة)، وبذات الطاقة المدهشة على مدار اليوم. شهدت أيضًا مزاجًا معتدلًا وهدوءًا لم أختبره حتى عند تعاطيّ مضادات الاكتئاب.


وعند هذه النقطة بالذات، قررت التدوين..

لومٌ يُفترض أن يكون عنيفًا!

للوهلة الأولى، يبدو التدوين عن تجربة استمرّت 3 أيام فكرة مضحكة، وهنا مربط الفرس؛ نحن بحاجة فعلًا لمن يشارك البدايات. لا شيء أثقل على النفس من رؤية شخص نجح في أمرٍ ما، ثم جاء "يتحذلق علينا" بنجاحه ذاك. أين البطولة يا مَن تسكن برجك العاجي؟!!

نحتاج لرؤية ولمس (وتذوق أحيانًا) فشل الآخرين لنقتنع أن الأمر ممكن. وبناءً عليه:
نعم، طعم الأشياء أسوء؛ الشاي والقهوة باتا بلا طعم حتى. والمثلجات تتغاوى أمامي على الواجهات، دافعةً بأعمق مشاعر الندم على خوض التجربة نحو السطح.

"الحياة قصيرة جدًا، فلمِا تحرم نفسك ملّذاتها المُباحة؟"

صحيح.. راودتني تلك الفكرة أيضًا.

أحار في إيجاد ما أتسلى به أثناء مشاهدة فيلم، فأذهب لألتقاط تفاحة وأكلها بحسرة. لكن أتدرون ما المثير للسخرية والحسرة معًا؟ أنني بدأت -منذ يومين- علاج أحد أسناني الأمامية، والذي تأثر بـ "الخبيث" حتى بات إصلاحه مستحيلًا، ليخبرني الطبيب -بالحرف الواحد- أنني لن أتمكن من قضم تفاحة (كالبشر الطبيعيين) بعد الآن!

لحظة! هل مِن بينكم من يقل عمره عن 18 عامًا؟ لأنني على وشك التفوه بشتيمة بذيئة الآن!!

أسوء ما في الأمر، أنني أمنع نفسي بصعوبة من توجيّه أطفالي لترك الحلويات، كما لو كنت قديسًا لم يعرف الخطيئة يومًا.

يدفعني تضارب المشاعر ذاك لتمنيّ الموت كوسيلة للهرب من الصراع الداخلي.

كيف أقضي ما قد تكون أيامي الأخيرة

أعتقد أن المرض يمنح صفاءً ذهنيًا رائعًا ومروّعًا في آنٍ معًا!

فبعد تشخيص الطبيب حالتي بـالخطرة، ومشاهدة الفيديو الذي يُختتم بعبارة..

توصلت إلى نتيجة مضحكة: الجميع يجهل موعد موته.. مثلي تمامًا. حسنًا، ربما لا تكون كلمة "مضحكة" مناسبة هنا؛ أنا فقط أضحك من سذاجتي حين ظننتنَي قادرًا على دفع الموت عنيّ وعن مَن أحب.

ولأن الدلائل لا تأتي فرادى، فقد شاهدت مقابلة أنس بوخش مع نويل خرمان. حيث أجابت (نويل) بالنفي على سؤاله: "هل تقبلين الزواج بشخص تعلمين أنه سيموت؟*" وبررت إجابتها أن أصعب شعور بالوجود هو أن تنام مع خوفٍ يعتريك بأن يكون (شريك حياتك) قد فارق الحياة.
ونعم، القصة التي ترويها أغنيتها الشهيرة (آن الآوان) هي قصتها الشخصية.

قرأت رواية [الحالة الحرجة للمدعو «ك.»]، وأظنني مررت بالعنوان حين رُشحت لقائمة البوكر العربية القصيرة، غير أنها لم تُثر اهتمامي آنذاك، خاصةً وأن البطل يُصاب بالسرطان.. (وأنا مو ناقصني وجع قلب!). أتممت قراءتها في جلستين، وبالطبع تُدركون السبب الآن!
تقييمي النهائي: تمنيت لو كنت الكاتب.

لا أجد داعٍ لتذكيركم بقضائي وقتًا طويلًا في محاولة استعادة المدونين المنقطعين من براثن مشاغل الحياة.

لكن في قرارة نفسي، تزداد المهمة صعوبةً يومًا بعد يوم؛ لا لندرة هؤلاء -أو حتى كثرتهم- وإنما لأنني لم أعد أفهم سببًا يدفعني للاستمرار.
معظم الغائبين كانوا مراهقين أو جامعيين حين انقطاعهم، فالله أعلم بحالهم الآن بعد 5-6 سنوات، وإن كنت أنا -متخذ الكتابة مهنة- لم أنشر جديدًا منذ قرابة شهر، فلا تثريب عليهم إذًا.

لنعد للعنوان قليلًا؛ لماذا قلت: "ما قد تكون أيامي الأخيرة"؟
إليك الإجابة..
سأخضع بعد أقل من 48 ساعة لصورة ظليلية.. بالضبط.. هذه 👇

مقطع من رواية: الحالة الحرجة للمدعو 'ك

مقطع من رواية: الحالة الحرجة للمدعو 'ك

وقد أقسمت يمينًا مغلظة، أن أقتل نفسي قبل الخضوع لـ"كورس كيمو" آخر. وصِمني بالهرطقة.. لا فرق؛ لكنني أظن الجحيم أرحم من ذاك العلاج!
على العموم، لا زال الوقت مبكرًا. وريثما يأتي يوم الأربعاء ((يخلق الله ما لا تعلمون)) كما يقول المثل الشعبي لدينا.

______________
*) توفي والدها نتيجة نوبة قلبية، وكانت والدتها تعلم أنه مُصاب بمرضٍ في القلب قبل الزواج

**)) بالمناسبة، هذه الأغنية إحدى أسباب إعراضي عن الانتحار حتى الآن. لأنها وصّفت الضياع الذي تعانيه الأسرة في ظل غياب الأب.
______________

من خارج الـ 📦

  أجهل حقيقةً سبب ابتعادي عن التدوين التخصصي في علم النفس، وإن كنت -غالبًا- ما أتخذ (قلّة المعالجين النفسيين الكتّاب) شمّاعة. على العموم، يبدو أن د. سميّة عبد الرحمن ستكسر تلك القاعدة.. والشمّاعة.. في آنٍ معًا!  

لن أطلب منك مشاركة العدد، لأنني متأكد أن لديك ما هو أهم من ذلك 😓


شارك العدد
أيقونة البريد الإلكتروني البريد الإلكتروني أيقونة تويتر تويتر أيقونة فيسبوك فيسبوك
الكتابة داخل صندوق!

الكتابة داخل صندوق!

بواسطة م. طارق الموصللي

عن الكتابة وطقوسها غير المحكية