|
|
|
إلى المكان نفسه يعود كل صباح... لوكا
|
|
صورة الى للوكا وهو نائم على كرسي غرفة فارس، فيما تتسلل أشعة الشمس عبر النافذة وتغمره بدفئه
|
|
|
في الصباح، عندما أستيقظ، أتفقّد الغرف واحدةً واحدة، بعدما يكون الأبناء قد خرجوا إلى أعمالهم. أرتّب شيئًا هنا أو هناك، وحين أدخل غرفة ابني الأكبر فارس، أجده متكورًا على كرسي المكتب المواجه للنافذة، غارقًا في نوم عميق. هذا هو دأبه كل صباح؛ إنه قطّنا لوكا، ذو اللون الرمادي المائل إلى السواد.
|
|
|
وفي إحدى صباحات الإجازة الأسبوعية، وجدته يحوم أمام غرفة فارس، يريد الدخول، بينما كانت الغرفة مغلقة لأن فارسًا ما زال نائمًا. أشفقت عليه، وفتحت له الباب بهدوء، فدخل مسرعًا كأنه يعرف أن هذا المكان حقه الطبيعي. لا أعرف سرّ هذا الرابط العجيب بينه وبين الغرفة، ولا سرّ تلك القيلولة الصباحية التي لا تكتمل إلا على ذلك الكرسي.
|
|
|
وللوكا شقيق آخر اسمه هبول، غير أن هبول لا يشاركه هذه العادة. فهبول أكثر حركة وفضولًا، يحب التجول في أنحاء المنزل، ويقضي وقتًا طويلًا في مراقبة ما يجري حوله. أما لوكا فيبدو أكثر هدوءًا وتأملًا، وكأنه يفضّل الأماكن المألوفة والروتين الذي اعتاده منذ صغره.
|
|
|
كانا في الأصل خمسة إخوة، ولدتهم أمهم في بيتنا قبل عامين. تبرعنا باثنين منهم لأسر أخرى، وخرج واحد ذات يوم ولم يعد، ولم يبقَ معنا اليوم سوى لوكا وهبول.
|
|
|
بدأت الحكاية حين وجدنا في بيتنا قطة شقراء مسالمة، صرنا نطعمها، فبقيت عندنا. كانت تأتي في البداية بحذر، ثم راحت تقترب منا شيئًا فشيئًا حتى شعرت بالأمان. لم تكن تملك بيتًا، لكن يبدو أنها اختارت بيتنا ليكون ملاذها.
|
|
|
كانت حينها حاملًا، وفي أحد أيام مارس من عام 2024 ولدت صغارها. استقرت تحت الدرج، وكنت أراقب بدهشة خمسة كائنات صغيرة جدًا وهي ترضع منها. كانت تلك أول مرة أرى فيها هذا المشهد عن قرب. كنت أتعجب كيف يمكن لهذه المخلوقات الصغيرة أن تنمو بهذه السرعة، وكيف تعرف أمها ما تحتاج إليه دون أن يعلمها أحد.
|
|
|
كانت تعتني بهم بعناية فائقة. تنظفهم، وتبقى إلى جوارهم ساعات طويلة، وتنتفض عند أقل صوت تشعر أنه قد يهددهم. وفي أحد الأيام رأيتها تحملهم بفمها واحدًا واحدًا، وتصعد بهم السلالم، ثم تضعهم خلف سرير ابنتي. لا شك أنها أرادت أن تحميهم. غريزة الأمومة قوية جدًا، وربما لا تختلف كثيرًا بين البشر والحيوانات.
|
|
|
ومع مرور الأيام بدأنا نتعرف إلى شخصياتهم المختلفة. أحدهم كان جريئًا يستكشف المكان قبل إخوته، وآخر كان كثير النوم، وثالث لا يكف عن اللعب والمطاردة. وكنا نجلس أحيانًا نراقبهم وهم يتعاركون فيما بينهم ثم يعودون بعد دقائق ليناموا متلاصقين كأن شيئًا لم يحدث.
|
|
|
أحببنا تلك الكائنات الصغيرة، وصرنا نطعمها ونعتني بها. كانت تضفي على البيت شيئًا من البهجة والحركة. حتى الذين لم يكونوا مهتمين بالقطط في البداية وجدوا أنفسهم يتابعون أخبارها ويتفقدونها كل يوم.
|
|
|
ثم ذات يوم خرجت أمهم من المنزل، وبعد قليل وجدناها جثة هامدة أمام باب الكراج. لقد ألفناها وألفتنا، وشعرت بحزن شديد. من هذا المتهور الذي دهسها؟ شارعنا هادئ جدًا، وفي حي سكني، فما الداعي إلى السرعة؟
|
|
|
والغريب أن القطط، رغم صمتها، تنجح في أن تحتل مكانًا في القلب. فهي لا تتحدث، ولا تطلب الكثير، لكنها تعرف كيف تجعل وجودها مألوفًا ومحببًا. وربما لهذا السبب ما زلت كل صباح أبتسم عندما أجد لوكا نائمًا على كرسي فارس، وكأنه يؤدي مهمة يومية لا يجوز أن يتخلف عنها.
|
|
|
بقي عندنا لوكا وهبول، نعتني بهما، وقد أصبح عمرهما الآن سنتين. وما زالا يضيفان إلى البيت شيئًا من الدفء والحياة.
|
|
|
تلك هي الحكاية.
|
|
|

يوميات نعيمة
يوميات اعيشها واكتب عنها تشمل القصص والحكايات.
التعليقات