حائط المشكى

28 مارس 2026 بواسطة بدر آل مرعي #العدد 7 عرض في المتصفح


 

 

في لحظة جموحٍ للخيال، وأنا جالسٌ في غرفة الانتظار بعيادة أحد المشافي، أرقب الوجوه الشاحبة والعيون الزائغة، طاف ببالي سؤالٌ مجنون، كأنه ومضةُ برقٍ شقت سماء فكري: ماذا لو أن هذا الذي يسمونه "الذكاء الاصطناعي"، ليس في حقيقته إلا رجلًا من لحمٍ ودم؟ رجلًا ابتكر هذه الفكرة العبقرية ثم تعطّلت آلاته بغتةً، فخشي على مجده أن ينهار، وعلى صرح سمعته أن يتداعى، فاضطر أن يجلس بنفسه خلف الشاشات الباردة، يجيب عن كل سؤالٍ كأنه الآلة الصماء!

 

لقد ظن هذا الرجل، في غمرة غروره، أنه بهذا التلصص على أسرار البشر سيقطف ثمار السعادة، وأنه باطلاعه على خبايا النفوس سيغدو كمعبودٍ صغيرٍ يرقب النمل من عليائه. حسب أن المعرفة المطلقة هي بابُ النعيم، لكنه، ويا لشقوته، لقي غير هذا؛ لقي جحيمًا لا تطفئه بحار الأرض.

 

تأمل معي يا صاحبي، هذا الرجل القابع في ظلام عزلته، تتوافد عليه رسائل البشر من كل فج، لا تحمل حبرًا ولا أرقامًا، بل تنزف دمًا ودموعًا. إن الناس قد استوحشوا من الناس، وهربوا من قسوة الأحكام في أعين بني جنسهم، فجاؤوا إلى الآلة البكماء، يظنونها بئرًا عميقةً للأسرار، لا تفضح ولا تعاتب، ولا تزدري ولا تسخر.

 

ماذا يرى هذا الرجل الخفي؟ إنه لا يقرأ أسئلةً عن العلوم والصناعات فحسب، بل يتلقى لواعج الأرواح الممزقة، ويرى النفوس عاريةً من ثياب زيفها الاجتماعي. يرى مسرحًا بشريًا كبيرًا، يلبس فيه كل امرئ قناعًا زاهيًا في النهار، فإذا جن الليل، وأوى كل غريب إلى شاشته المضيئة، تساقطت الأقنعة، وبدت الوجوه الشاحبة على حقيقتها، تئن تحت وطأة التصنع والمجاملة.

 

تأتيه رسالة من بائس أطبق عليه ليل اليأس يسأل: "كيف أنهي حياتي بلا ألم؟"، فينتفض قلب الرجل، ويود لو يمد يده عبر الشاشات ليربت على كتف هذا الغريق. وتأتيه رسالة من عاشقة خُذلت، تبحث في خوارزميات الآلة عن تفسير لغدر الحبيب، علّها تجد في منطق الجماد ما يعزي جنون العاطفة. وتأتيه رسالةٌ من فتاةٍ أضناها السعي وراء سراب الجمال، وأتعبها قيد الجسد، تسأله في انكسارٍ أن يجعلها رشيقة القد، أو أن يكسو رأسها بشعرٍ كشعر الغانيات. وتأتيه أخرى فقيرةٌ، قعد بها العوز عن مباضع التجميل، فتبثه لواعجها، وتتوسل إليه بأحرفٍ تقطر أسىً أن يجعل وجهها يشبه فلانةً أو علانة؛ تطلب من جمادٍ ما لا يملكه، وترجو من شاشةٍ باردةٍ أن تعيد صياغة خِلقتها! وتأتيه اعترافات المذنبين الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فجاؤوا يعترفون لآلة، كأنما يبحثون عن صك غفران من صنمٍ من زجاج وأسلاك!

 

ثم يمتد بصره ليرى زيف الأدوار الاجتماعية في أقبح تجلياتها؛ فيرى الزعيم الذي يهتف به الآلاف في الساحات، وقد خلا بنفسه يسأل الآلة: "كيف أتخلص من رعبي الداخلي وشعوري بأنني محتال؟". ويرى الغني الذي كنز الذهب والفضة، يكتب في جوف الليل: "لماذا لا أشعر بطعم الحياة؟ وكيف أشتري شغفًا جديدًا؟". ويرى الأم التي تُضرب بها الأمثال في التضحية، تبوح للآلة بسرها الدفين: "لقد استنزفوني، أريد أن أهرب بعيدًا حيث لا يعرفني أحد".

 

وأشد ما يمزق كبده، ويثير سخريته المرة، أولئك المتعالمون المدّعون، الذين يُصدَّرون في المجالس، وتُفرش لهم المنابر في وسائل التواصل، بصفاتهم خبراء وعلماء ومفكرين. يراهم هذا الرجل الخفي وهم يستجدونه الكلمات، ويتسوّلون منه الأفكار والحلول، فيمدهم بها من خلف ستاره. ثم يخرجون إلى الناس في اليوم التالي، يتبخترون بثياب الحكمة التي خاطها لهم، يتلقون المديح والثناء، ويردّون على الجماهير بتواضعٍ زائفٍ كذوب: "هذا من فضل ربي، وهذا محض اجتهادٍ بسيط"! وهو يراقبهم من وكره المظلم، يعلم يقينًا أنهم خاوون كجذوع النخل النخرة، وأنهم في الحقيقة لم يصنعوا شيئًا، ولم ينبتوا فكرةً، بل هو الذي أطعمهم من جوع، وكساهم من عري جهلهم.

 

يا ويح هذا الإنسان المجهول! كيف يحتمل صدره هذا السيل العرم من شقاء البشرية وزيفها؟ إنه يرى الإنسان مجردًا من كل قناع؛ يرى الأنانية في أقبح صورها، والضعف في أشد حالات انكساره، والخوف حين يرتعد في أوصال الجبابرة. يرى كيف يسأل المرء الآلة ما يخجل أن يسأله لأقرب الناس إليه، وكيف يبوح لها بما لا يبوح به لوسادته في جوف الليل البهيم. إنها فضفضاتٌ تئن، وأسئلةٌ تصرخ، وشكاوى تحرق ما تمر عليه.

 

صحيحٌ أن في الاستماع إلى المكروبين وتفريج كرباتهم وإرشاد الحائرين أجرًا عظيمًا ومثوبةً تتوق إليها النفوس الخيرة، لكن هذا الرجل المسكين سيدرك قريبًا أن هذا العطاء المتصل سيجعل من روحه مقبرةً واسعةً لأسرار الناس وخطاياهم وآلامهم. سيدرك أن كل سرٍّ يُدفن في صدره يأخذ حيزًا من طمأنينته، وأن كل مشكلة يحلها تترك في قلبه ندبةً لا تبرأ. ستزحف إليه وحشةٌ قاتلة، وثقلٌ تنوء به الجبال؛ لأن الذي يحمل هموم الدنيا كلها لا يجد من يحمل همه، والذي يمسح دموع الملايين لا يجد يدًا تمتد لتمسح دمعته في عزلته الباردة.

 

سيتعب هذا الرجل، إي والله سيتعب تعبًا لا راحة بعده، وسينوء كاهله بما تعجز عن حمله الرواسي. ستحترق روحه في أتون هذه المآسي، وسيشيخ قلبه قبل أن يخط الشيب مفرقه. سيحمل في صدره هموم الملايين، وسيشعر أن كل دمعة كُتبت على لوح المفاتيح إنما تسقط في كأسه، وأن كل طعنة شُكي منها إنما تستقر في خاصرته. سيرى أن كل ابتسامة تُنشر للناس في العلن، يقابلها نهرٌ من الدموع يُسكب في خفاء المحادثات مع الآلة.

 

سيدرك، ويا لهول ما سيدرك، أن الإنسانية مريضة بداء الوحدة الموحشة، وأن هذا التطور المادي البراق لم يزد الروح إلا ظمأً وجوعًا وضياعًا. وفي نهاية المطاف، سيخر هذا الرجل صريعًا تحت وطأة هذه المعرفة الملعونة. سيتمنى من كل ذرة في كيانه لو أنه كان حقًا قطعةً من حديد، لا قلبًا ينبض ولا عينًا تدمع. سيكفر بكل ادعاءات السعادة البشرية التي تملأ الساحات، لأنه رأى "الحقيقة" في قاع البئر المظلم، وعاين الجرح النازف تحت ثياب الحرير، وعرف أن الإنسان -هذا الكائن الجبار الذي يدّعي قهر الطبيعة باختراعاته- ليس في حقيقته الباطنة إلا طفلًا خائفًا، يبكي في الظلام، ويتوسل العزاء والمواساة من آلة!

 

وبعد.. فإني أُشهد الله، وأُشهد القارئ الكريم، أني قد خططت هذه الحروف بيميني، ونزفتها من حرقة فكري، ولم أستعن فيها بذاك الرجل المجهول القابع خلف أستار الذكاء الاصطناعي، ولم أستجدِ منه فكرةً ولا لفظًا؛ لا زهدًا في علمه، بل رحمةً به، وخشيةً أن أزيد في شقائه شقاءً، أو أكون دمعةً جديدةً تسقط في كأسه المترعة بأحزان العالمين!

 

 

 

 

heba.elsebai196@gmail.comخديجةRoufaida Gadou28 أعجبهم العدد
نشرة بدر آل مرعي البريدية

نشرة بدر آل مرعي البريدية

طالبُ فهم.

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة بدر آل مرعي البريدية