مفارقات نفسية في الأزمات |
| 28 مارس 2026 • بواسطة بدر آل مرعي • #العدد 6 • عرض في المتصفح |
|
|
|
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وبعد: |
|
ألحظ في الآونة الأخيرة، ومع تصاعد وتيرة الأحداث في سياق "الحرب القائمة"، كيف تتشكّل حالة من الهلع الجمعيّ، وكيف تتبدّل معايير التصديق والتكذيب لدى الجماهير. في أوقات الفتن والأزمات، لا يبحث الإنسان بالضرورة عن الحقيقة المجردة، بل يبحث عمّا يُسكّن قلقه أو يُبرّر مخاوفه. |
|
حينما تشتعل الحروب، وتصبح الأخبار العاجلة قوتًا يوميًا، يتنازل البشر عن جزء كبير من ملكاتهم النقدية. في هذه اللحظات الكثيفة والمربكة، تتجلى مجموعة من المفارقات النفسية العجيبة التي تفسر سلوك الجماهير، وتكشف كيف يصرف التخويف والوهم العبد عن بوصلة التوكل الحقيقي، وعن "الاستهداء الإيماني" الذي يعصم القلب من الانزلاق في مهاوي القلق أو الاغترار. |
|
ولقد لخص القرآن الكريم هذه الحالة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: 83]. وقد فسّر ابن عباس الإذاعة بأنها كانت في أخبار السرايا؛ إذ كان الناس يتسابقون إلى نشر ما سمعوه قبل أن يتثبتوا: "أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدوُّ من المسلمين كذا وكذا، فأفْشَوْه بينهم". وقال الضحاك وقتادة في معنى ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾: "سارعوا به، وأفشوه". وذهب مقاتل بن سليمان إلى أن المنافقين كانوا إذا جاءهم خبر فيه بلاء أو شدة نزلت بالمسلمين أفشوه، "فإذا سمع ذلك المسلمون كاد أن يدخلهم الشك" [1]. فهذه المسارعة في نشر أخبار الخوف أو الأمن دون تثبت، استجابة نفسية مضطربة حذّر منها الوحي، ودعا إلى ردّ الأمر إلى أهله. |
|
وفيما يلي تفكيك لأبرز هذه المفارقات النفسية التي تطفو على السطح في أوقات الأزمات: |
|
المفارقة الأولى: نُحبّ من يُطمئننا (ولو بالوهم) ونُصدّق من يُخيفنا (ولو بالمبالغة) |
|
ثمة قاعدة راسخة في الطبيعة البشرية في أوقات الاستقرار: الإنسان يُصدّق من يُحبّ. فالثقة تنبع من المحبة، والمحبة تُرسّخ التصديق. لكن الأزمات الكبرى تُفسد هذه المعادلة وتقلبها رأسًا على عقب. في وسط الهلع الجمعيّ، تنعكس المعادلة على نحو مُقلق: الإنسان يُحبّ من يُريحه ولو بالوهم، ويُصدّق من يُخيفه ولو بالمبالغة والكذب. |
|
لماذا نُصدّق من يُخيفنا؟ |
|
إن من أصل الفطرة الإنسانية في الإدراك، أن العقل البشري يميل دائمًا إلى تضخيم التهديد. في علم النفس المعرفي، تُعرف هذه الظاهرة بـ "التحيز السلبي" (Negativity Bias). وهي ميل العقل البشري إلى الانتباه للمعلومات السلبية، والتعلم منها، واستخدامها بشكل أكبر بكثير من المعلومات الإيجابية المماثلة [2]. وكأنّ أدمغتنا مبرمجة على إعطاء الأولوية القصوى لإشارات التهديد؛ لأن تجاهل التهديد قد يعني الفناء. لذلك، يكتسب صانع الخطاب التخويفي سلطة استثنائية، ويبدو وكأنه الأكثر واقعية في قراءة المشهد. |
|
ولماذا نُحبّ من يبيعنا الوهم؟ |
|
على الضفة الأخرى، ينشأ عطش جمعيّ هائل للطمأنينة، حتى وإن كانت زائفة. نحن نُحبّ من يبيعنا الوهم لأننا لا نطيق العيش في مساحة رمادية من عدم اليقين. ويعتمد باعة الوهم على ظاهرة نفسية تُعرف بـ "تأثير الحقيقة الوهمية" (Illusory Truth Effect) ، وهي ميل الناس لتصديق المعلومات الكاذبة لتكون صحيحة بعد التعرض المتكرر لها [4]. التكرار المستمر لادعاءات المقاومة الزائفة أو الانتصارات الموهومة يخلق ألفة معرفية تجعل العقل يتقبلها كحقائق، متجاهلًا محكمات العقل الجذرية قبل الأزمة. |
|
المفارقة الثانية: الخوف من الفناء يدفعنا للانقياد الأعمى: |
|
في الأزمات، حين يشعر الفرد أن وجوده ذاته مهدد، تتفعّل لديه ميكانيزمات دفاعية بدائية. وفقًا لـ "نظرية إدارة الرعب" (Terror Management Theory) ، فإن وعي الإنسان بتهديد الفناء يدفعه للتمسك الشديد برؤيته للعالم، والانحياز لمن يقدّم له تفسيرًا حاسمًا لهذا التهديد [3]. |
|
المفارقة هنا أن هذا الخطاب التخويفي لا يهدف بالضرورة إلى نقل المعلومة لحمايتك، بل يهدف إلى إحكام السيطرة عليك. الخوف يشلّ الإرادة الحرة، ويجعل الجماهير أكثر قابلية للانقياد. وكما لا يجوز الوقوف مع عدوان أي طرف آثم في هذه الحرب القائمة؛ فلا يجوز أيضًا أن نكون ذيلاً لخطابات الرعب التي يبثها أتباع المشاريع المتصارعة. أما العاقل فيعلم أن "الخوف الذي لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة لا فائدة فيه". |
|
المفارقة الثالثة: ندّعي اليقظة ونحن نصنع "كبش فداء" لتصفية الحسابات: |
|
ومن أخطر المفارقات التي تُفرزها حالة الاضطراب النفسي الجمعيّ: شيوع التخوين. فحين تضطرب النفس وتفقد توازنها، تبدأ أضغان الروح في الخروج متنكّرةً في ثياب الغيرة والحرص. ما كان مكنونًا من أحقاد قديمة، وحسابات معلّقة، يجد في الأزمة فرصته الذهبية للظهور تحت غطاء "الدفاع عن الحق". النفس المضطربة تحتاج إلى عدو داخلي تُحمّله ما تعجز عن استيعابه من الخارج. هذه تسمى: صناعة كبش الفداء" (Scapegoating) ، حيث يتم توجيه اللوم والعدوان نحو أفراد أو جماعات داخلية لتفريغ الإحباط الناتج عن تهديدات خارجية لا يمكن السيطرة عليها [5]. |
|
والمفارقة تكتمل حين يُذكي هذه النار شعورٌ بـ"اليقظة الزائفة". فالمخوِّن يرى نفسه في مرتبة المستيقظ الذي كشف ما خفي على غيره، مدفوعاً، إنه لا يُخوِّن لأنه يملك دليلاً، بل لأن التخوين يمنحه إحساسًا بالتفوق في زمن يشعر فيه الجميع بالعمى. فاحذر أن تكون الأزمة مرآةً تعكس أضغانك لا بصيرتك. |
|
المفارقة الرابعة: نُطالب بالدليل المحسوس في الرخاء.. ونتعلق بالماورائيات في الأزمات: |
|
في أوقات الاستقرار والرخاء، يميل الإنسان إلى العقلانية والمادية؛ يطالب بالدليل المحسوس، ويُحكّم لغة الأرقام والمعطيات، ويسخر من الخرافة. لكن ما إن تقع الأزمة وتشتد الخطوب، حتى يحدث انقلاب معرفي عجيب: يتخلى العقل عن صرامته، ويتعلق بالغيبيات، والرؤى المنامية، والتنبؤات، وقراءة الطوالع. في علم النفس، تُفسر هذه الحالة عبر "نظرية السيطرة التعويضية" (Compensatory Control Theory). تفترض هذه النظرية أنه عندما يفقد الإنسان شعوره بالسيطرة الشخصية على واقعه بسبب الفوضى واللايقين، فإنه يسعى بشكل لا شعوري للتعويض عن ذلك باللجوء إلى قوى خارجية أو ماورائية تعيد له الإحساس بأن العالم لا يزال يسير وفق نظام محكم وليس مجرد فوضى عبثية [6]. |
|
الأزمة تسلبنا الإحساس بالتحكم، فنعوضه بالتعلق بنبوءة مبشرة أو رؤيا منامية تُخبرنا بموعد زوال الغمة. والمفارقة هنا أن هذا التعلق المفرط بالماورائيات لا ينبع من زيادة في الإيمان الصحيح بالضرورة، بل هو في كثير من الأحيان حيلة نفسية دفاعية لتسكين رعب انعدام السيطرة. الإيمان الصحيح يربط الأسباب بالمسببات مع التوكل، بينما التعلق المرضي بالتنبؤات يُعطل الأسباب ويُخدر الإرادة. |
|
المفارقة الخامسة: نبحث عن الحقيقة.. ونستحبّ العمى: |
|
ثمة ملاحظة جوهرية تُمثّل ذروة المفارقات: ليس كل من وقع في فخّ التخويف أو الوهم واقعٌ فيه بسبب غفلة أو جهل، بل ثمة صنف من الناس وصفه القرآن بدقة متناهية: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَىٰ الْهُدَى﴾ [فصلت: 17]. والفعل هنا فعل اختيار وإرادة، لا فعل عجز وقصور. هؤلاء لم يقعوا في فخّ الوهم لأنهم لم يجدوا الحقيقة، بل وقعوا فيه لأنهم أرادوه. وهذا الصنف لا يعاني من غياب الدليل، بل يعاني من شيء آخر أعمق بكثير: الوهم عنده يؤدي وظيفة نفسية، يُداوي به حاجة داخلية لا يستطيع التخلي عنها: فربما كان الوهم ستارًا لعجزه، أو عزاءً لهزيمته، أو تسويغًا لولائه القديم، أو تعويضًا عن خيبة أمل طال انتظارها. ومن هنا تفهم لماذا يضيق بعضهم ذرعًا من أي نقاش حقيقي. ولهذا فإن الطاقة المبذولة في إقناع هذا الصنف طاقة ضائعة. الفارق بين من لا يفهم ومن لا يريد أن يفهم دقيق لكنه حاسم: من لا يفهم يحتاج إلى بيان، ومن لا يريد أن يفهم يحتاج إلى دعاء. فلا تتعب نفسك في إقناع من استحبّ العمى. |
|
الشجاعة في زمن اللايقين: |
|
لا مناص من مواجهة الحياة والأزمات بعقلٍ يقظ ونفسٍ مطمئنة. الشجاعة الحقيقية اليوم ليست في إنكار الخوف، ولا في الهروب نحو الأوهام المريحة، بل في القدرة على احتمال "الضبابية وعدم اليقين"، مع الاعتصام بمحكمات الشرع والعقل. أن تكون ناضجًا في زمن الأزمات يعني أن تتقبّل أنك لا تملك السيطرة على مجريات الأحداث الكبرى، لكنك تملك السيطرة الكاملة على استجابتك لها. يعني ألا تسمح لخطابات التخويف أن تبتزك، وألا تسمح لخطابات الوهم أن تستخف بعقلك، وألا تكون ذيلًا لأي مشروع آثم. وأذكّرك دائمًا، وسط كل هذا الضجيج، أن تعود لمقرّك الآمن، لجوهر عقيدتك، وأن تتذكر أنه لا يُدبّر الأمر إلا من خلقه. فمن قرأ أحداث الواقع قبل أن يُرسّخ الإيمان المتلقى من الوحي في قلبه، ربما حمل الأحداث على ما يخالف أصول اليقين. وكلّما تأخّرت عن فطام نفسك من الخوف والوهم معًا، ستظلّ طفلًا تُجزعك الأزمات وتُغويك الشعارات، فاستهدِ بالله، فإنه من استهدى هُدي. |
|
--------------------------- |
|
[1] انظر: موسوعة التفسير المأثور، تفسير سورة النساء، الآية 83 (6/588) |
|
[2] Baumeister, R. F., Bratslavsky, E., Finkenauer, C., & Vohs, K. D. (2001). Bad is stronger than good. *Review of General Psychology*, 5(4), 323-370. |
|
[3] Burke, B. L., Martens, A., & Faucher, E. H. (2010). Two decades of terror management theory: A meta-analysis of mortality salience research. *Personality and Social Psychology Review*, 14(2), 155-195. |
|
[4] Hasher, L., Goldstein, D., & Toppino, T. (1977). Frequency and the conference of referential validity. *Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior*, 16(1), 107-112. |
|
[5] Rothschild, Z. K., Landau, M. J., Sullivan, D., & Keefer, L. A. (2012). A dual-motive model of scapegoating: Displacing blame to reduce guilt or increase control. *Journal of Personality and Social Psychology*, 102(6), 1148-1163. |
|
[6] Kay, A. C., Gaucher, D., Napier, J. L., Callan, M. J., & Laurin, K. (2008). God and the government: testing a compensatory control mechanism for the support of external systems. *Journal of Personality and Social Psychology*, 95(1), 18-35. |
التعليقات