في أربعينيات القرن الماضي، كان رجل إعلاناتٍ أمريكي اسمه أليكس أوزبورن يجلس في اجتماعات فريقه محبَطًا.
كان يرى الشيء نفسه يتكرر في كل مرة: موظفٌ شابّ يطرح فكرة، فيقاطعه مديره قبل أن يكمل الجملة الثانية: «جُرِّبت من قبل»، «العميل لن يوافق»، «الميزانية لا تسمح».
ثم يصمت الشاب. ولا يتكلم بقية الاجتماع. ولا في الاجتماع الذي يليه.
ولاحظ أوزبورن شيئًا خطيرًا: أفضل موظفيه لم يكونوا يفتقرون إلى الأفكار — كانوا قد تعلّموا أن السكوت أرخص من الكلام.
فطرح سؤالًا بدا في حينه ساذجًا: ماذا لو منعنا النقد؟ لا أن نؤجّله، ولا أن نلطّفه، بل أن نُحرّمه تمامًا مدةً محددة.
من هذه الفكرة وُلد العصف الذهني. وبعد ثمانين عامًا صار أكثر الأدوات استخدامًا وأكثرها إساءةَ استخدام ؛ فأغلب من يقول «سنعمل عصفًا ذهنيًّا» يخالف ثلاثًا من قواعده الأربع دون أن يدري.
وسأتوقف هنا عند مخالفةٍ واحدة، هي أكثرها خفاءً وأشدّها ضررًا.
القاعدة التي يحفظها الجميع نصفَ حفظ
القاعدة الأولى عند أوزبورن هي تعليق النقد تمامًا. وهذا نصفها المشهور.
أما نصفها الآخر — الذي يسقط من كل ملخّصٍ عربي وإنجليزي تقريبًا — فهو: ولا حتى المدح.
اقرأ الجملة مرةً أخرى. ممنوعٌ أن تقول «هذه فكرة ممتازة».
ويبدو هذا في أول وهلةٍ تشدّدًا بلا معنى. فالنقد يُسكت الناس، أما الثناء فيشجّعهم — أليس كذلك؟
لا. والسبب أن الثناء والنقد يفعلان الشيء نفسه بطريقتين مختلفتين: كلاهما يُخبر الغرفة أن التقييم جارٍ الآن.
ما الذي يحدث فعلًا في اللحظة التي تمدح فيها فكرة
حين يقول الميسّر «فكرة رائعة يا سارة!» فإنه لا يكافئ سارة وحدها. إنه يفعل ثلاثة أشياء دفعةً واحدة:
الأول: ينصب مقياسًا. فبمجرد أن تُوصف فكرةٌ بأنها رائعة، صار في الغرفة سُلَّم، وصار لكل ما يُقال بعدها موقعٌ عليه. والفكرة التي لم تُمدح لم تعد فكرةً محايدة — صارت فكرةً أقلّ.
الثاني: يحوّل الهدف. فبدل أن يسأل المشاركون أنفسهم «ما الذي يمكن أن يُقال هنا؟» صاروا يسألون «ما الذي سيُمدَح هنا؟». وهذان سؤالان مختلفان تمامًا، ويقودان إلى أفكارٍ مختلفة تمامًا. الأول يفتح، والثاني يضيّق.
الثالث: يرسي مرساةً. فالفكرة الممدوحة أول الجلسة تصبح النموذج الذي تدور حوله بقية الأفكار. والمجموعة تميل بطبعها إلى الدوران في مسارٍ واحد بعد الأفكار الأولى، فإذا أضفتَ إلى هذا الميل مكافأةً علنية أغلقتَ المسارات الأخرى قبل أن تُفتح.
والنتيجة العملية: أن جلسةً مليئة بالتشجيع قد تُنتج أفكارًا أقلّ تنوّعًا من جلسةٍ صامتة. وصاحبها يخرج منها راضيًا، لأن الجوّ كان لطيفًا. وهذا أخطر ما فيها: أنها تفشل فشلًا مريحًا.

والخطأ الأكبر: من يجلس في الغرفة
إن كان الثناء يفسد الجلسة، فحضور صاحب سلطة التقييم يفسدها قبل أن تبدأ.
وجود المدير المباشر يُفعّل الرقابة الذاتية لدى الجميع مهما أعلن أنه «لن يحكم على أحد». والمشارك لا يزن فكرته بميزان «هل هي مفيدة؟» بل بميزان «كيف ستبدو أمام من يكتب تقييمي السنوي؟». والفرق بين الميزانين هو الفرق بين فكرةٍ جريئة وفكرةٍ آمنة.
والحلّ ليس التطمين، فالتطمين لا يعمل هنا. الحلّ أحد أمرين: إما ألّا يحضر، وإما أن يكتب أفكاره في ورقةٍ صامتًا ولا يعلّق مطلقًا.
أربعة تصحيحات تشتغل من الغد
١. استبدل بـ«نعم، لكن…» عبارةَ «نعم، و…». التقنية مستعارةٌ من مسرح الارتجال، وأثرها في تغيير جوّ الجلسة فوريٌّ وملموس؛ فـ«لكن» تُغلق، و«و» تبني. وهي أرخص تدخّلٍ يمكنك إدخاله على فريقك: كلمةٌ واحدة.
٢. ضع رقمًا. «ستون فكرةً في ثلاثين دقيقة». وجود الهدف العددي يغيّر سلوك المجموعة تغييرًا جذريًّا: فبدل أن يفكّر المشارك «هل فكرتي جيدة؟» يفكّر «كيف نصل إلى الرقم؟». والرقم يُشرعن السخافة، والسخافة مادةٌ خام.
٣. اجعل للميسّر مهمةً واحدة: حماية القواعد. لا يشارك بفكرة، ولا يعلّق، ولا يمدح. ويسجّل كل فكرةٍ بلفظ صاحبها لا بإعادة صياغتها — فإعادة الصياغة تصحيحٌ مستتر.
٤. حدّد المشكلة بدقةٍ مؤلمة. جلسةٌ حول «كيف نحسّن أداءنا؟» ستُنتج كلامًا عامًّا. وجلسةٌ حول «كيف نخفض زمن انتظار العميل من ١٢ دقيقة إلى ٤؟» ستُنتج أفكارًا قابلة للتنفيذ غدًا.
والآن اعتراضٌ يجب أن يُقال
الأمانة تقتضي أن أعرض الاعتراض الأقوى على الأداة كلها:
أشارت دراساتٌ عديدة إلى ظاهرةٍ تُعرف بـ« خسارة الإنتاجية الجماعية »، وخلاصتها أن المجموعة التي تعصف معًا قد تُنتج أفكارًا أقلَّ عددًا وأصالةً من العدد نفسه من الأفراد لو عمل كلٌّ منهم منفردًا ثم جُمعت نواتجهم.
والأسباب المرجَّحة أربعة : الانتظار ، فلا يتكلم إلا واحدٌ في كل لحظة فينسى الباقون أفكارهم؛ و الخوف من التقييم ، وهو باقٍ مهما أُعلن تعليقه؛ و التطفّل الاجتماعي ، إذ يبذل بعض الأفراد جهدًا أقلّ داخل المجموعة؛ و التقارب الفكري.
فهل نلغي الأداة؟ لا، بل نصلحها بصيغةٍ مركّبة:
عشر دقائق صامتة يكتب فيها كل مشاركٍ أفكاره منفردًا دون كلامٍ ودون رؤية أوراق غيره. ثم عرضٌ دوري يعرض فيه كلٌّ فكرةً واحدة بالتناوب وتُسجّل جميعها دون نقاش. ثم بناءٌ جماعي على الأفكار المعروضة وتوليدٌ من تقاطعاتها.
وبهذا تجمع ميزة الاستقلال الفردي — تنوّعٌ أعلى وأصالةٌ أكبر — مع ميزة التلاقح الجماعي.
وهذه الصيغة أنسب لبيئتنا العربية تحديدًا ، لا لسببٍ إداري بل ثقافي: مجتمعاتنا ذات مسافة سلطةٍ مرتفعة ، تميل إلى احترامٍ أكبر للتسلسل الهرمي، فيصير الاعتراض العلني على الأكبر سنًّا أو منصبًا أثقل مما هو في غيرها. والأثر العملي أن الجلسات المباشرة عندنا أقلّ فاعلية، وأن الصيغ الكتابية الصامتة أنجع بكثير .
ولنعد إلى حيث بدأنا. الموظف الذي صمت في اجتماع أوزبورن لم يكن كسولًا ولا فقيرًا بالأفكار. كان قد أجرى حسابًا بسيطًا وخرج بنتيجةٍ صحيحة: الكلام هنا مكلف، والسكوت مجاني.
وكل جلسةٍ تُدار على غير القواعد تُعيد تعليم الفريق هذا الحساب نفسه.
فالسؤال الذي أتركك معه: في آخر اجتماعٍ حضرته، كم شخصًا كانت عنده فكرة ولم يقلها؟ وهل تعرف من هم؟
هذه المادة مقتبسة من الفصل الرابع من كتاب «العقل المبدع: رحلة الفكرة من الشرارة إلى الأثر» للمؤلف عبدالمجيد بن مضحي السلمي ، وله كل الشكر على مشاركتها معي.
ملحق «بطاقات التشغيل السريع» من الكتاب هدية من المؤلف مشكوراً.
— سبع بطاقات عملية لإدارة جلسات الأفكار (العصف المطوَّر، سكامبر، القبعات الست، التفكير العكسي…) — مجانًا وكاملًا لقرّاء «خارج الصندوق» من رابط تيلغرام التالي .
التعليقات