هناك أفكار لا نراجعها، ليس لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأنها تكررت حتى بدت بديهية. ومن أكثرها رسوخًا الاعتقاد بأن "الوسط" هو دائمًا المكان الأفضل؛ فهو أكثر أمانًا، وأقرب إلى الحكمة، وأبعد عن المخاطرة.
ولعل من أكثر العبارات تداولًا في الثقافة العربية قولهم: «خير الأمور أوسطها». ويستشهد بها كثيرون بوصفها حديثًا نبويًا، مع أنها لا تثبت مرفوعة إلى النبي ﷺ عند جمهور المحدِّثين ، غير أن المشكلة ليست في العبارة نفسها، بل في توسيع معناها حتى أصبحت تُستخدم وكأنها قاعدة عامة للحياة والعمل، بما في ذلك المجالات التي تحكمها قوانين الاقتصاد والمنافسة.
ولكن هل الوسط صحيح أخلاقياً أصلاً؟
في التراث الفلسفي، ولا سيما عند أرسطو (Aristotle)، يرتبط مفهوم الوسط بالاعتدال بين الإفراط والتفريط. ومع ذلك، لم يقل أرسطو إن كل فضيلة تقع في منتصف الطريق بين رذيلتين. فالصدق ليس وسطًا بين الصدق والكذب ، والعدل ليس وسطاً بين العدل والظلم ، و الأمانة ليست نقطة تقع بين الأمانة والخيانة. بل إن أرسطو نفسه رأى أن بعض الأفعال لا تقبل الوسط أصلًا؛ لأنها شرّ في ذاتها، وذكر من ذلك القتل والسرقة والزنا؛ لأنها تُعد خاطئة في ذاتها، لا بسبب الإفراط أو التفريط فيها.
أما المتوسط في الإحصاء، فلا يحمل أي حكم قيمي. إنه ليس فضيلة، ولا معيارًا للجودة، ولا حتى وصفًا لما هو طبيعي أو مرغوب. إنه مجرد رقم يصف مركز مجموعة من البيانات.
وهنا يبدأ الالتباس.
فمن دون أن نشعر، انتقلنا من مفهوم أخلاقي يهدف إلى تقويم السلوك، إلى مفهوم إحصائي يصف البيانات، ثم تعاملنا معهما كما لو كانا شيئًا واحدًا. ومن هذا الخلط، نشأت قناعة مهنية مفادها أن الاقتراب من "المتوسط" هو الطريق الأكثر حكمة لبناء النجاح.
لكن الأرقام لا تؤيد هذا الاعتقاد.
لنفترض أن متوسط درجات طلاب مدرسة يبلغ 95 من 100. في هذه الحالة، يكون الطالب "المتوسط" ضمن نخبة أكاديمية يصعب بلوغها. وفي مدرسة أخرى يبلغ متوسط الدرجات 70، فيصبح الطالب "المتوسط" بعيدًا عن ذلك المستوى تمامًا.
الوصف لم يتغير، لكن الواقع تغير بالكامل.
إذن، كلمة "متوسط" لا تحمل أي معنى مستقل ، بل تستمد معناها من التوزيع الذي تنتمي إليه.
ولننتقل إلى مثال اقتصادي أكثر دلالة.
إذا كانت مجموع راتب عشرة أشخاص، بالآلاف من الدولارات، على النحو الآتي:
30، 31، 31، 32، 33، 34، 35، 36، 37، 500.
فإن المتوسط الحسابي يبلغ نحو 80 ألف دولار ، رغم أن تسعة أشخاص من أصل عشرة يحصلون على أقل من نصف هذا الرقم.
فهل يمثل المتوسط الشخص العادي؟
بالطبع لا.
بل إن المتوسط، في هذه الحالة، يخفي الواقع أكثر مما يشرحه.
وهذه ليست حالة استثنائية، بل وصف دقيق لكيفية عمل كثير من أسواق اليوم، حيث لا تتوزع القيمة بالتساوي، وإنما تتركز في عدد محدود من الأفراد أو الشركات أو المنتجات.
لقد تغيَّرت طبيعة المنافسة جذريًا خلال العقود الأربعة الأخيرة.
في عام 1981، نشر الاقتصادي شيروين روزن (Sherwin Rosen) بحثه المؤثر عن اقتصاد النجوم (Economics of Superstars)، موضحًا أن التكنولوجيا لا تزيد إنتاجية الجميع بالمقدار نفسه، بل تمنح أصحاب الأداء الأعلى القدرة على الوصول إلى أسواق أوسع بكثير. ونتيجة لذلك، لا ترتفع عوائد الأفضل بنسبة بسيطة، بل قد تتضاعف مرات عديدة مقارنةً بمنافسيهم.
في الماضي، كان الطبيب المتميز يخدم مدينة واحدة.
أما اليوم، فقد يستطيع الطبيب نفسه تقديم الاستشارات لمرضى من قارات مختلفة، وأن يدرِّب آلاف الأطباء، وأن تتحول سمعته إلى أصل اقتصادي مستقل.
وينطبق الأمر ذاته على الباحث، والمستشار، والمبرمج، والمحامي، والمصمم، وصانع المحتوى، وأستاذ الجامعة.
لم تعد التكنولوجيا تكافئ الجميع بالتساوي.
بل تضخم قيمة التميز.
وتؤكد الأدلة الاقتصادية هذا التحول. فالعوائد في كثير من القطاعات تتبع ما يعرف بالتوزيعات ذات الذيل الثقيل (Heavy-Tailed Distributions)، حيث تستحوذ نسبة صغيرة من الأفراد أو الشركات على نسبة كبيرة من القيمة الاقتصادية . كما تجعل تأثيرات الشبكات (Network Effects) المنصات الرائدة أكثر قوة كلما ازداد عدد مستخدميها، بينما تشير أبحاث استقطاب الوظائف (Job Polarization) إلى تراجع الوظائف متوسطة المهارة مقابل نمو الوظائف عالية المهارة وبعض الوظائف منخفضة المهارة. ويضيف دارون أسيموغلو (Daron Acemoglu) تفسيرًا مكملًا من خلال مفهوم التغير التقني المنحاز إلى المهارات (Skill-Biased Technical Change)، الذي يوضح أن التكنولوجيا رفعت العائد على المهارات النادرة بوتيرة أسرع بكثير من رفعها للعائد على المهارات الاعتيادية.
ولا تعني هذه النتائج أن النجاح أصبح حكرًا على العباقرة، ولا أنها دعوة إلى الإفراط في العمل أو إلى عبادة الإنجاز.
إنها تعني شيئًا أكثر عملية.
في اقتصاد المعرفة، لم يعد السوق يكافئ من يقترب من المتوسط، بل من يخلق قيمة يصعب استبدالها.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مهني على نفسه لم يعد: هل أنا أفضل من المتوسط؟
بل أصبح:
ما القيمة التي أقدمها، ويصعب على غيري تقديمها بالمستوى نفسه؟
ذلك هو السؤال الذي يصنع الميزة التنافسية.
وربما آن الأوان أيضًا لإعادة تعريف الوسطية.
هل الوسطية حقاً أمر صحيح أخلاقياً؟ هل التنازل عن المبادئ أو القيم او جودة العمل امر قابل للمساومة بحجة الحصول على نتيجة وسطية مقبولة؟ وبعيداً عن هذا الجدل الفلسفي، دعوني أهرب مرّة أخرى إلى الأسواق وخاصة في عصر الذكاء الاصطناعي، فالأسواق لا تكافئ الاعتدال لأنه اعتدال، ولا تعاقب الجرأة لأنها جرأة. إنها تكافئ القدرة على إنتاج قيمة نادرة تحل مشكلة حقيقية أو تلبي حاجة لا يستطيع كثيرون تلبيتها.
لعلّ الميزة التنافسية تبدأ، في كثير من الأحيان، عندما تتوقف عن السعي إلى أن تكون نقطة عادية في منتصف المنحنى، وتبدأ في بناء قيمة تجعل وجودك مختلفًا.
التعليقات