هناك أشياء في الحياة يبدو أنك خسرتها حين تنازلت عنها، بينما تكون في الحقيقة قد اشتريت بها شيئًا أغلى بكثير: وقتك، وتركيزك، وصحتك، وهدوء بيتك.
هذه هي الثروة التي لا ينتبه الناس إلى أنها تُستنزف كل يوم.
شخص أساء إليك في الطريق.
موظف أجابك بفظاظة.
جار لا يرد السلام.
بائع عبوس.
قريب يريد أن يثبت أنه على حق.
نقاش على واتساب يمكن أن يمتد ساعتين.
يمكنك أن تنتصر في كل واحدة منها.
والسؤال الأذكى: كم سيكلفك هذا الانتصار؟
الاقتصاد يسمي ما ضاع منك وأنت تفعل شيئًا ما: تكلفة الفرصة البديلة.
ساعة قضيتها تثبت لشخص أنه مخطئ لم تضعها هدراً فحسب، بل كان يمكن أن تكون ساعة مع أولادك، أو في عمل يبني مستقبلك، أو نومًا تحتاجه، أو كتابًا، أو رياضة، أو فكرة تغير دخلك.
لهذا لا تحسب تكلفة المعركة بما ستدفعه فيها فقط.
احسب أيضًا ما حُرمت منه لأنك دخلتها.
وأحيانًا يكون أغلى شيء تدفعه هو أن يسكن خصمك في رأسك مجانًا.
العلم يقترب من هذه الفكرة من زاوية أخرى. أبحاث Sendhil Mullainathan وEldar Shafir حول «الندرة» وجدت أن المشكلات الملحّة تستولي على الانتباه وتستهلك جزءًا من القدرة الذهنية التي نحتاجها لبقية حياتنا. وفي دراساتهم ، مجرد الانشغال بضغوط مالية كان كافيًا للتأثير في الأداء المعرفي لدى من يعانون من ضيق الموارد.
والضغط نفسه ليس مجانيًا. مراجعة علمية شملت 51 دراسة وجدت أن الضغط الحاد يضعف، في المتوسط، الذاكرة العاملة والمرونة المعرفية. أي إن المعركة التي تستهلكك اليوم قد تجعل قراراتك غدًا أسوأ.
لهذا أتعامل مع الانتباه كرأس مال.
ليس كل شخص يستحق حصة منه.
وليس كل استفزاز يستحق ردًا.
وليس كل سوء فهم يحتاج إلى محكمة.
وليس كل حق صغير يستحق أن تحرق في سبيله حقًا أكبر.
وهنا يلتقي الاقتصاد مع معنى عظيم سبق إليه القرآن الكريم:
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]
|
تأمل التعبير: لم يقل إنهم عاجزون عن الرد. وصفهم قبل ذلك بأنهم عباد الرحمن. قدرتهم على تجاوز الجاهل جزء من قوتهم، لا علامة ضعف.
وقال تعالى:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]
|
كظم الغيظ ليس انعدام الغضب.
أنت غضبت، وتستطيع أن تضرب، وترد، وتنتقم… ثم تقرر أن شيئًا أكبر منك يقود القرار.
ولهذا غيّر النبي ﷺ تعريف القوة نفسه:
«ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». متفق عليه.
|
نحن عادة نعتقد أن القوة هي أن تجعل الآخر يدفع الثمن.
أحيانًا القوة أن ترفض أنت دفع الثمن.
وأحد أجمل الدروس الاستراتيجية في السيرة صلح الحديبية.
اعترض المشركون حتى على كتابة «محمد رسول الله» في وثيقة الصلح، فقبل النبي ﷺ إزالة العبارة من الوثيقة، ومضى في الاتفاق. لم يتنازل عن حقيقة الرسالة. اختار ألا يجعل الخلاف على صياغة يحطم مقصدًا أكبر. والحديث ثابت في صحيح البخاري ومسلم.
هذه عقلية مختلفة تمامًا:
لا تربط كل تنازل صغير بكرامتك.
قد تقول: «حقك عليّ» وأنت لست المخطئ الأكبر.
قد تدفع مبلغًا بسيطًا لتغلق نزاعًا سيكلفك شهورًا.
قد تنسحب من نقاش تعرف أنك قادر على الفوز به.
لأنك لا تقيس القرار بلحظة الانتصار.
تقيسه بحياتك كلها.
في الاقتصاد السلوكي هناك سبب آخر يجعل هذا صعبًا: النفور من الخسارة. أبحاث Kahneman وTversky التي قامت عليها «نظرية الاحتمالات» بينت أن الإنسان يتعامل مع الخسائر نفسيًا بصورة مختلفة عن المكاسب، ولذلك قد نتمسك بأشياء صغيرة أكثر مما تستحق لأنها صُنفت داخل رؤوسنا على أنها «خسارة».
خمسون يورو قد تتحول إلى قضية كرامة.
اعتذار بسيط يتحول إلى مسألة مبدأ.
كلمة عابرة تتحول إلى عداوة.
ثم تدخل مشكلة أخرى معروفة في الاقتصاد السلوكي: التكلفة الغارقة .
دفعت للمحامي، إذن أكمل.
خاصمت سنة، إذن لا يمكن أن أتراجع الآن.
كتبت عشرين رسالة، إذن يجب أن أنتصر.
فتضيف خسارة جديدة إلى خسارة قديمة كي لا تعترف بأن المعركة لم تكن تستحق أصلًا.
لعلّ الكيّس يسأل سؤالًا مختلفًا:
لو بدأت المسألة الآن من الصفر، هل سأدخلها؟
إذا كانت الإجابة لا، فاخرج.
لا تجعل ما دفعته أمس يجبرك على أن تدفع غدًا.
وهناك قاعدة قرآنية أعمق من مجرد التجاهل:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]
|
أحيانًا لا تنهي العداوة بانتصارك على خصمك، بل بحرمان العداوة نفسها من الوقود.
ولعلّي اخاطب نفسي هنا قبل أن أخاطبكم فأقول:
اختر معاركك كما تختار استثماراتك.
واسأل قبل كل خصومة:
كم سأربح إن انتصرت؟
كم سأدفع للوصول إلى ذلك الانتصار؟
وماذا كان يمكن أن أفعل بوقتي وذهني لو لم أدخل أصلًا؟
ستكتشف أن جزءًا كبيرًا من معاركنا صفقات سيئة.
ربحها صغير.
وتكلفتها ضخمة.
قد يكون الأغنى من عرف الأشياء التي تستحق أن يدفع ثمنها كي لا يحملها في رأسه.
اشترِ راحة عقلك.
فستحتاج هذا العقل عندما تأتي المعركة التي تستحق فعلًا أن تخوضها.

منقول بتصرّف من الفيديو التالي
التعليقات