لفترة طويلة، تعاملنا مع «الإنسان المتوسط» بوصفه أساس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. لم يكن مطلوبًا من الجميع أن يكونوا عباقرة أو رواد أعمال أو أصحاب مهارات نادرة. كان يكفي أن يدرس الإنسان، ويتخرج من الجامعة، ويمتلك قدرًا معقولًا من المعرفة والانضباط، ثم يجد وظيفة مستقرة تتيح له تكوين أسرة والعيش ضمن طبقة وسطى واسعة.
كانت الطبقة المتوسطة أكثر من مجرد تصنيف للدخل. لقد مثّلت وعدًا اجتماعيًا بسيطًا: لا تحتاج إلى ثروة موروثة أو موهبة استثنائية كي تعيش حياة كريمة. يكفي أن تعمل وتجتهد وتلتزم بالقواعد.
لكن هذا الوعد بدأ يتآكل اقتصاديًا قبل ظهور الذكاء الاصطناعي بسنوات. وقد وثقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها الأسر متوسطة الدخل، مع ارتفاع تكاليف السكن والتعليم والخدمات الأساسية بوتيرة أسرع من نمو دخول كثير من هذه الأسر، وتراجع قدرتها على الادخار، واضطرار بعضها إلى الاعتماد على الديون للمحافظة على مستوى معيشتها. لم تختفِ الطبقة المتوسطة تمامًا، لكنها أصبحت أضيق وأقل أمانًا وأكثر عرضة للهبوط.
ما أخشاه اليوم هو أن نشهد الظاهرة نفسها في سوق المعرفة والعمل.
من انكماش الطبقة المتوسطة إلى انكماش الموظف المتوسط
كان سوق العمل الحديث قائمًا إلى حد بعيد على وظائف تستوعب الإنسان المتوسط المؤهل: خريج الجامعة الذي يمتلك معرفة أساسية، ويستطيع كتابة تقرير، وإعداد عرض تقديمي، وتحليل جدول بيانات، والتواصل مع العملاء، وتنفيذ إجراءات واضحة داخل المؤسسة.
لم تكن هذه الوظائف تحتاج دائمًا إلى موهبة استثنائية. كانت تحتاج إلى تعليم مقبول، وتدريب مهني، وقدر من الاجتهاد والاستمرارية.
لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يغير القيمة الاقتصادية لهذه المهارات.
فإعداد التقرير لم يعد مهمة تستغرق ساعات بالضرورة. وتلخيص الوثائق، وصياغة الرسائل، وتحليل البيانات الأولية، وإنتاج العروض، وكتابة الشيفرات البسيطة، أصبحت جميعها قابلة للتنفيذ بسرعة أكبر وبجودة أعلى عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بفاعلية.
وتشير دراسة ميدانية شملت 5,179 موظفًا في خدمة العملاء إلى أن استخدام مساعد قائم على الذكاء الاصطناعي رفع الإنتاجية بنحو 14% في المتوسط، وبلغ التحسن قرابة 34% لدى الموظفين المبتدئين والأقل مهارة، بينما كان أثره محدودًا لدى الأكثر خبرة. هذه النتيجة مهمة لأنها توضح قدرة الذكاء الاصطناعي على نقل المعرفة الضمنية للخبراء إلى الموظفين الأقل خبرة، ورفع أدائهم بسرعة لم تكن ممكنة بالتدريب التقليدي وحده.
للوهلة الأولى، تبدو هذه النتيجة مشجعة. فالذكاء الاصطناعي يقلل فجوة المهارة ويسمح لعدد أكبر من الناس بالوصول إلى أداء جيد.
لكن هناك جانب آخر للمسألة.
عندما يصبح الأداء الجيد متاحًا للجميع، فإنه يتوقف تدريجيًا عن أن يكون ميزة تنافسية.
ما كان يُعد قبل سنوات دليلًا على الكفاءة قد يصبح الحد الأدنى المقبول للتوظيف. وهنا لا تختفي المنافسة، بل تنتقل إلى مستوى أعلى. لن يتنافس المرشحون على قدرتهم على كتابة تقرير مقبول، لأن معظمهم سيتمكنون من ذلك. سيتنافسون على جودة الأسئلة التي يطرحونها، ودقة الحكم، وسرعة التعلم، والقدرة على دمج الأدوات، وفهم المجال، وتحويل المخرجات إلى قرارات.
بعبارة أخرى، يرفع الذكاء الاصطناعي المتوسط، لكنه يرفع معه شروط النجاة داخل المتوسط.
حين لا تعود الأدوات متاحة بالتساوي
يُقال كثيرًا إن الذكاء الاصطناعي يحقق ديمقراطية المعرفة، لأن كثيرًا من الأدوات تتيح خططًا مجانية. وهذا صحيح جزئيًا. لكن الوصول المجاني لا يعني تكافؤ القدرة على الاستخدام.
فالخطط المدفوعة غالبًا ما توفر حدود استخدام أعلى، ونماذج أقوى، وأولوية في الوصول إلى الخصائص الجديدة، وسرعة أكبر، وميزات إضافية للبحث والتحليل والتعامل مع الملفات. على سبيل المثال، يبلغ سعر أقل اشتراك لأي أداة محترمة حاليًا 20 دولارًا شهريًا، مع وجود خطط مجانية وأخرى مدفوعة توفر مستويات مختلفة من الوصول والقدرات.
قد يبدو مبلغ عشرين دولارًا محدودًا لموظف في اقتصاد مرتفع الدخل، لكنه ليس كذلك لطالب أو باحث عن عمل أو موظف مبتدئ في كثير من الدول. وإذا احتاج الشخص إلى أكثر من أداة للكتابة والبرمجة والتصميم والبحث، فقد تصبح الكلفة الشهرية أعلى بكثير.
وهنا تظهر مشكلة لا تحظى بما يكفي من النقاش: عدم المساواة في القدرة على شراء تعزيز معرفي مستمر.
فالشخص الذي يستطيع دفع ثمن الأدوات، وشراء جهاز جيد، والحصول على اتصال سريع بالإنترنت، وتخصيص وقت للتجريب والتعلم، لا يحصل فقط على خدمة رقمية. إنه يشتري زيادة متكررة في إنتاجيته وقدرته على التعلم.
في المقابل، لا يُحرم غير القادر من أداة واحدة فقط، بل من سلسلة تراكمية من المكاسب.
الشخص الذي يعمل يوميًا بأداة قوية ينجز أكثر، ويتعلم أسرع، ويجرب عددًا أكبر من الحلول، ويبني ملف أعمال أفضل، ويصبح أكثر قدرة على التقدم لوظائف أعلى. ومع مرور الأشهر، لا تبقى الفجوة مساوية لكلفة الاشتراك، بل تتحول إلى فجوة في الخبرة والسرعة والثقة وجودة المخرجات.
يمكن وصف ذلك بـ«العائد المركب للقدرة الرقمية». كل دورة استخدام تنتج مهارة جديدة، وكل مهارة جديدة تزيد قيمة الدورة التالية.
المشكلة إذن ليست أن شخصًا يملك اشتراكًا وآخر لا يملكه. المشكلة أن الأول يدخل مسارًا تراكميًا من التحسن، بينما يظل الثاني في مكانه النسبي، حتى لو كان مجتهدًا.

هل الاجتهاد لم يعد كافيًا؟
لا أعتقد أن الاجتهاد فقد قيمته. لكنني أعتقد أنه لم يعد شرطًا كافيًا بمفرده.
في الماضي، كان من الممكن لشخص مجتهد أن يعوض محدودية موارده عبر بذل وقت أطول. أما اليوم، فقد يستطيع شخص مزود بأدوات متقدمة إنجاز عمل عدة ساعات خلال وقت قصير. وهكذا لا تصبح المنافسة بين شخص مجتهد وآخر أقل اجتهادًا، بل بين شخص مجتهد يعمل وحده، وشخص مجتهد يعمل ومعه منظومة من المساعدين الرقميين.
لذلك قد لا تكون المعادلة الجديدة:
بل:
الاجتهاد المدعوم بالأدوات مقابل الاجتهاد غير المدعوم بها.
|
وهذا تحول اقتصادي، وليس تقنيًا فقط.
فحين تعتمد قابلية التوظيف بصورة متزايدة على الوصول إلى الأدوات، تصبح القدرة المالية عاملًا خفيًا في تكوين رأس المال البشري. يستطيع بعض الشباب شراء تسارع معرفي، بينما يظل آخرون معتمدين على التعليم الجامعي الأساسي الذي قد لا يتغير بالسرعة نفسها.
صحيح أنّه لا توجد حتى الآن، حسب الأدلة المتاحة، دراسة تثبت أن اشتراكًا شهريًا بقيمة محددة يؤدي مباشرة إلى انتقال الفرد من طبقة مهنية إلى أخرى. لذلك يجب التعامل مع هذا الاستنتاج بوصفه خطرًا محتملًا واتجاهًا يحتاج إلى قياس، لا حقيقة محسومة.
حذار من المتوسط
إنه تحذير من بناء اقتصاد لا يستطيع فيه الإنسان المتوسط أن يعيش بكرامة أو يجد وظيفة مناسبة إلا إذا امتلك موارد إضافية تتيح له شراء أدوات تعزز قدراته.
لقد بدأ انكماش الطبقة المتوسطة اقتصاديًا عندما أصبح الرواتب العادية عاجزة عن مواكبة تكاليف الحياة. وقد نشهد الآن انكماشًا مشابهًا في سوق العمل عندما تصبح المهارات العادية عاجزة عن مواكبة مستوى الإنتاجية الجديد.
الخطر ليس أن يصبح الجميع ضعفاء. بل أن يصبح الأداء الذي كان جيدًا بالأمس غير كافٍ غدًا.
والخطر الأكبر هو أن يتحول التميز من نتيجة للتعلم والاجتهاد إلى سلعة تُشترى تدريجيًا عبر الاشتراكات والأجهزة والوقت والبيئة المناسبة.
وفي عالم يرتفع فيه المتوسط بسرعة، قد لا يكون البقاء في المنتصف دليلًا على الاستقرار.
قد يكون بداية السقوط.
التعليقات