لا يقدّم بول غراهام (Paul Graham) وصفة لبناء الثروة، ولا يعد رواد الأعمال بأنهم سيصبحون مليارديرات. ما يقدمه، استناداً إلى أكثر من عقدين من العمل مع الشركات الناشئة، هو تفسير لكيفية نمو بعض الشركات بوتيرة استثنائية حتى تتحول، في حالات نادرة، إلى شركات تتجاوز قيمتها السوقية مليار دولار، وهو ما شرحه في مقاله الملهم: كيف تكسب مليار دولار .
اكتسب غراهام هذه الرؤية من خلال تأسيسه، مع زوجته جيسيكا (Jessica)، حاضنة الشركات الناشئة «واي كومبينيتور» (Y Combinator) عام 2005، التي موّلت آلاف الشركات، وتحولت عشرات منها إلى شركات مليارية. ومن خلال متابعته اليومية للمؤسسين، توصّل إلى مجموعة من المبادئ التي يرى أنها تفسر أسباب النجاح أكثر مما تفسره الأفكار اللامعة أو التمويل الكبير.
ورغم أن هذه المبادئ أسهمت في نشأة شركات عالمية، فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن في بناء شركات مليارية فحسب، بل في مساعدة رواد الأعمال على تأسيس شركات أفضل وأكثر استدامة، مهما كان حجمها النهائي.
لماذا يثير نجاح الشركات الناشئة كثيراً من سوء الفهم؟
يشير غراهام إلى أن كثيراً من الناس يربطون الثروات الكبيرة بالاحتكار أو الاستغلال، مستشهداً بالجدل الذي أثير بعد تصريح إحدى السياسيات الأمريكيات بأن «كسب مليار دولار أمر مستحيل». ويرى أن المقصود لم يكن الاستحالة الحسابية، وإنما الاعتقاد بأن بلوغ هذه الثروة لا يمكن أن يحدث من دون الإضرار بالآخرين.
لكن، وفق غراهام ، يغفل هذا الرأي طبيعة الاقتصاد الرقمي، الذي تختلف فيه مصادر القيمة عن القطاعات التقليدية. ففي كثير من الشركات التقنية، لا تأتي القيمة من السيطرة على الموارد أو رفع الأسعار، بل من تطوير منتج يحل مشكلة حقيقية، ثم يحقق انتشاراً واسعاً لأن المستخدمين يجدون فيه فائدة تدفعهم إلى استخدامه والتوصية به.
ومن هذا المنطلق، فإن ارتفاع قيمة الشركة قد يكون انعكاساً لحجم القيمة التي أضافتها إلى السوق، لا لحجم ما انتزعته منه.
النمو الأُسّي... القوة التي تغيّر النتائج
يرى غراهام أن أكثر المفاهيم التي يُساء فهمها في عالم ريادة الأعمال هو النمو الأُسّي (Exponential Growth).
ويذكر أنه اعتاد سؤال مؤسسي الشركات عن معدل النمو الشهري، لأنه يعدّه أفضل مؤشر على مستقبل الشركة. وفي إحدى المرات، أخبرته مؤسسة شركة ناشئة أن شركتها تحقق نمواً شهرياً بلغ 93%.
لا تكمن أهمية هذا الرقم في قيمته وحدها، بل في أثر تراكمه مع مرور الوقت. فالنمو الأُسّي يعني أن كل مرحلة نمو تصبح أساساً للمرحلة التالية، وهو ما يؤدي إلى نتائج تبدو غير متوقعة لمن يفكر بطريقة خطية.
ويضرب غراهام مثالاً افتراضياً يوضح الفكرة. فإذا حققت شركة نمواً شهرياً ثابتاً بنسبة 15%، فإن إيراداتها قد تتضاعف آلاف المرات خلال خمس سنوات بفعل النمو المركب. والهدف من هذا المثال ليس الإيحاء بأن هذه النتائج سهلة التحقيق، بل توضيح الكيفية التي يمكن أن يغيّر بها النمو المستمر مسار شركة ناشئة بالكامل.
ومن المهم الإشارة إلى أن الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة لفترات طويلة يُعد من أصعب التحديات التي تواجه الشركات، ولذلك تبقى الشركات المليارية حالات استثنائية، لا نتيجة تلقائية لأي شركة ناشئة.
وفق غراهام... هناك عاملان يحددان مسار الشركة
يحدد غراهام عاملين رئيسين يفسران قدرة الشركات الناشئة على تحقيق نمو استثنائي:
معدل النمو.
مدة استمرار هذا النمو.
ويؤكد أن السؤال الأول الذي يطرحه على المؤسسين ليس عن حجم التمويل أو عدد الموظفين، وإنما عن معدل النمو؛ لأنه يعكس بصورة مباشرة مدى إقبال السوق على المنتج.
فإذا كان العملاء يعودون باستمرار، ويزداد عدد المستخدمين بصورة طبيعية، فهذه إشارة إلى أن الشركة تبني شيئاً يحتاج إليه الناس بالفعل.
اصنع شيئاً يحبه الناس
ربما تكون هذه أشهر نصائح غراهام، وهي أيضاً أكثرها بساطة.
فهو يرى أن النمو المستدام لا يبدأ بالتسويق، وإنما يبدأ بمنتج يحل مشكلة حقيقية إلى درجة تجعل العملاء يوصون به من تلقاء أنفسهم.
ويتفق هذا الطرح مع مفهوم الملاءمة بين المنتج والسوق (Product-Market Fit)، الذي يعدّه كثير من الباحثين والمستثمرين المرحلة الحاسمة في رحلة الشركات الناشئة. فعندما يجد المنتج مكانه الطبيعي في السوق، يصبح اكتساب العملاء أكثر سهولة، ويتحول الرضا إلى أداة تسويق ذاتية.
وقد شهدت شركات مثل «زووم» (Zoom) و«سلاك» (Slack) نمواً متسارعاً في بداياتها لأن المستخدمين وجدوا فيها حلولاً عملية لمشكلاتهم اليومية، قبل أن تعتمد على حملات تسويقية واسعة.
ابدأ بالمشكلة التي تعرفها
وفق غراهام، لا يحتاج المؤسس إلى البحث عن مشكلة بعيدة عنه، بل من الأفضل أن يبدأ بالمشكلات التي يعيشها بنفسه أو يلاحظها في محيطه.
فالشباب، على سبيل المثال، يفهمون احتياجاتهم واحتياجات أقرانهم أكثر مما يفهمون احتياجات قطاعات لا ينتمون إليها. ولهذا ينصح غراهام ببناء منتجات يرغب المؤسسون أنفسهم في استخدامها.
ولا يعني ذلك أن تكون الفكرة موجهة إلى ملايين المستخدمين منذ البداية؛ فقد تبدأ الشركة بخدمة شريحة متخصصة جداً، مثل الباحثين أو المهندسين أو العاملين في قطاع معين، ثم تتوسع تدريجياً مع تطور المنتج.
لا تبدأ بالبحث عن «فكرة بمليار دولار»
من الأفكار التي يكررها غراهام أن معظم الشركات الناجحة لم تبدأ بمحاولة تأسيس شركة مليارية.
فحين ينشغل المؤسس بالبحث عن فكرة تحقق ثروة هائلة، يصبح أكثر ميلاً إلى تجاهل الأفكار التي تبدو صغيرة أو غير مألوفة. لكن التجربة، وفق غراهام، تشير إلى أن كثيراً من الشركات الكبرى بدأت بحل مشكلة محددة جداً، ثم توسعت مع مرور الوقت.
ويضرب أمثلة بشركات مثل «آبل» (Apple)، و«فيسبوك» (Facebook)، و«إير بي إن بي» (Airbnb)، التي لم تبدُ، في بداياتها، مشاريع تغير العالم، بل بدت لكثير من المستثمرين أفكاراً محدودة الإمكانات. غير أن ما ميزها كان قدرة مؤسسيها على تطويرها باستمرار، والاستجابة لما يحتاج إليه المستخدمون.
ولهذا، ينصح غراهام المؤسسين بألا يجعلوا حجم الشركة المستقبلية معياراً لاختيار الفكرة، بل أن يسألوا أولاً: هل هذه مشكلة تستحق الحل؟ وهل يمكن تقديم حل أفضل مما هو متاح اليوم؟
اعمل على ما يثير فضولك
يرى غراهام أن عدداً كبيراً من الشركات المؤثرة بدأ كمشروع جانبي، لا كمخطط تجاري متكامل.
فقد انطلق مؤسسو شركات مثل «غوغل» (Google)، و«آبل» (Apple)، و«فيسبوك» (Facebook) من مشاريع عملوا عليها بدافع الفضول والرغبة في بناء شيء يرغبون في استخدامه هم أنفسهم.
ومن وجهة نظره، يساعد هذا النوع من الدوافع على الاستمرار في تطوير المنتج، حتى قبل ظهور أي مؤشرات على النجاح التجاري، وهو ما يمنح الشركة فرصة أكبر للوصول إلى منتج متميز.
التعاطف مع العملاء أصل القيمة
يختتم غراهام فكرته بالتأكيد على أن بناء شركة ناجحة يبدأ بفهم الناس، لا بمحاولة بيع أي منتج لهم.
فالمؤسس الجيد هو من يستطيع أن يجيب عن سؤالين بسيطين:
ويرى أن هذا النوع من التعاطف هو ما تبحث عنه «واي كومبينيتور» في المؤسسين؛ لأنه يمثل نقطة البداية في بناء منتجات تخلق قيمة حقيقية، وهي القيمة التي تقود، في نهاية المطاف، إلى نمو الشركة.

دروس تتجاوز الشركات المليارية
قد تتحول بعض الشركات إلى كيانات تتجاوز قيمتها مليار دولار، لكن غراهام لا يقدم هذه النتيجة بوصفها الهدف الذي ينبغي السعي إليه، ولا بوصفها نتيجة مضمونة لتطبيق هذه المبادئ. فمثل هذه الشركات تبقى استثناءً في عالم الأعمال.
أما القيمة الحقيقية لأفكاره، فتكمن في أنها تقدم إطاراً عملياً لبناء شركات أكثر قدرة على النمو، سواء انتهى بها المطاف إلى شركة صغيرة ناجحة، أو شركة متوسطة تحقق أرباحاً مستقرة، أو شركة عالمية مؤثرة.
وتشير تجربة غراهام إلى أن النجاح لا يبدأ بالسؤال: كيف أبني شركة مليارية؟ بل يبدأ بسؤال أكثر واقعية وأهمية: ما المشكلة الحقيقية التي أستطيع حلها بصورة أفضل من غيري؟
وعندما تنجح الشركة في الإجابة عن هذا السؤال، وتواصل تحسين منتجها، وتحقق نمواً مستداماً، فإن النتائج المالية تصبح انعكاساً للقيمة التي خلقتها، لا الهدف الوحيد الذي سعت إليه.
إذا بنيتم شركة مليونية .. تذكرونا بفنجان قهوة ..
التعليقات