من السهل أن نعزو تعاستنا إلى ما يحدث لنا: خسارة وظيفة، فشل مشروع، انتهاء علاقة، أو قرار لم يأتِ كما أردنا. لكن هذا التفسير، على بساطته، لا يفسر حقيقة نلاحظها باستمرار: لماذا ينهار شخص أمام حدث معين، بينما يتجاوزه آخر بسرعة؟ ولماذا يشعر أحدهم بخيبة أمل كبيرة رغم أن ما حصل عليه يُعد نجاحًا في نظر الآخرين؟
الفرق غالبًا لا يكمن في الحدث نفسه، بل في المسافة بين ما توقعناه وما حدث فعلًا.
هذه الفكرة ليست تأملًا فلسفيًا، بل تتقاطع مع واحد من أكثر مجالات البحث تطورًا في علم النفس والاقتصاد السلوكي: كيف يصنع الإنسان توقعاته، وكيف تتحول هذه التوقعات إلى مصدر للرضا أو خيبة الأمل.
المشكلة ليست الواقع وحده... بل النموذج الذي نحمله عنه
يميل الإنسان إلى الاعتقاد أنه يرى العالم كما هو، بينما هو في الحقيقة يراه من خلال مجموعة من الافتراضات غير المعلنة.
بعضها يتشكل من التربية، وبعضها من التجارب السابقة، وبعضها من قصص النجاح التي يسمعها، أو من المقارنات اليومية مع الآخرين.
ومع مرور الوقت تتحول هذه الافتراضات إلى ما يشبه "قوانين طبيعية" في ذهنه:
إذا اجتهدت فسأنجح.
إذا كنت مخلصًا فسيبادلك الآخرون الوفاء.
إذا امتلكت المؤهلات المناسبة فستحصل على الوظيفة.
إذا فعلت كل شيء بصورة صحيحة فستسير حياتك كما خططت لها.
المشكلة أن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.
فالاجتهاد يزيد احتمالات النجاح، لكنه لا يضمنه. والوفاء لا يمنع الخذلان. والكفاءة لا تكفي دائمًا في بيئات تحكمها ظروف أو منافسة أو حظ.
وحين يصطدم الواقع بهذه "البديهيات"، لا يشعر الإنسان فقط بالإحباط، بل يشعر بأن العالم أصبح غير عادل أو غير مفهوم.

لماذا نخطئ في توقع مشاعرنا؟
يصف عالما النفس تيموثي ويلسون ودانيال جيلبرت هذه الظاهرة بما يسمى التنبؤ العاطفي (Affective Forecasting) إذ تشير أبحاثهما إلى أن الناس يجيدون غالبًا توقع ما إذا كان الحدث سيكون إيجابيًا أو سلبيًا، لكنهم يخطئون بصورة منهجية في تقدير شدة تأثيره عليهم ومدة استمراره. فنحن نبالغ في تقدير مقدار السعادة التي سيجلبها النجاح، ونبالغ أيضًا في تقدير مقدار التعاسة التي سيجلبها الفشل.
ويُعرف هذا الخطأ باسم تحيز الأثر (Impact Bias) ، وهو الميل إلى الاعتقاد بأن الأحداث المستقبلية ستغير حياتنا النفسية بدرجة أكبر ولفترة أطول مما يحدث في الواقع. فقد أظهرت دراسات أن أشخاصًا توقعوا أن يستمر حزنهم سنوات بعد فقدان علاقة أو فرصة مهنية، لكنهم تكيفوا أسرع بكثير مما تصوروا.
نقطة مرجعية لا يراها أحد
يضيف الاقتصاد السلوكي تفسيرًا آخر.
في نظرية الاحتمالات التي طورها دانيال كانيمان وعاموس تفرسكي، لا يقيم الإنسان النتائج بصورة مطلقة، بل مقارنةً بنقطة مرجعية موجودة في ذهنه. فما نعتبره "ربحًا" أو "خسارة" يعتمد على ما كنا نتوقعه قبل وقوع الحدث.
لنتخيل موظفين حصلا على زيادة قدرها 10%.
النتيجة واحدة، لكن التجربة النفسية مختلفة تمامًا، لأن نقطة المقارنة مختلفة.
وهذا يفسر لماذا لا تقود الإنجازات دائمًا إلى السعادة، ولماذا قد يقود النجاح نفسه إلى الإحباط إذا جاء أقل مما توقعناه.
هناك توقعات... وهناك بديهيات
من المفيد التمييز بين نوعين من النماذج الذهنية.
الأول هو التوقعات، وهي تنبؤات بشأن المستقبل، مثل الاعتقاد بأن مشروعًا معينًا سينجح أو أن ترقية ستحدث قريبًا.
أما الثاني فهو البديهيات الضمنية، وهي أخطر لأنها لا تبدو لنا توقعات أصلًا، بل حقائق لا تحتاج إلى نقاش.
فعندما يقول شخص في داخله: "الحياة العادلة تكافئ المجتهد دائمًا"، فهو لا يشعر أنه يضع فرضية، بل يعتقد أنه يصف قانونًا من قوانين الحياة.
لكن الواقع لا يلتزم بهذه القوانين الذهنية.
ولهذا، عندما تنهار هذه البديهيات، لا نخسر فرصة أو علاقة فقط، بل نخسر أيضًا تفسيرًا كنا نعتمد عليه لفهم العالم.
وهنا تصبح الصدمة أعمق.
هل الحل هو خفض سقف الطموح؟
قد يُفهم من هذا الطرح أن العلاج هو التشاؤم أو خفض التوقعات إلى الحد الأدنى.
لكن الأدلة لا تشير إلى ذلك.
الفرق كبير بين خفض التوقعات وإعادة تعريفها.
الإنسان المرن لا يقول: "لن أنجح."
بل يقول: "سأبذل أفضل ما لدي، لكن النتيجة ليست مضمونة."
ولا يقول: "الناس أوفياء دائمًا."
بل يقول: "بعض الناس أوفياء، وبعضهم ليس كذلك."
هذا التحول اللغوي البسيط ينقل العقل من اليقين إلى الاحتمال، ومن المطلق إلى المرونة.
والمرونة النفسية ليست القدرة على تحمل الألم، بل القدرة على عدم بناء يقينيات لا يستطيع الواقع الوفاء بها.
من إدارة الوقت إلى إدارة التوقعات
تنفق المؤسسات مليارات الدولارات لتحسين الأداء، وإدارة المخاطر، والتخطيط الاستراتيجي.
لكن على المستوى الشخصي، ما زال كثير من الناس يديرون حياتهم دون أن يديروا توقعاتهم.
ربما تكون هذه إحدى المهارات التي تستحق أن تُعامل بوصفها كفاءة قيادية لا تقل أهمية عن التخطيط واتخاذ القرار.
فالقائد الذي يخلط بين الاحتمال واليقين يبالغ في ردود فعله عند أول انتكاسة.
والموظف الذي يعتقد أن الجهد يكفي وحده للوصول إلى النتائج يفقد دافعيته عند أول إخفاق.
أما الشخص الذي يراجع افتراضاته باستمرار، ويتعامل معها بوصفها نماذج قابلة للتحديث لا حقائق مقدسة، فيصبح أكثر قدرة على التعلم، وأكثر هدوءًا أمام المفاجآت، وأقل عرضة لخيبات الأمل غير الضرورية.
التعليقات