ثمّة مفارقة يصعب تجاهلها في المؤسسات الحديثة. فاعتماد وظيفة جديدة يكاد يكون قرارًا اعتياديًا؛ يطلب المدير موظفًا إضافيًا، وتراجع الموارد البشرية المبررات، وتُعتمد الميزانية، ثم يُضاف راتب جديد إلى قائمة المصروفات التشغيلية. لا يتوقف أحد طويلًا عند تكلفة الموظف، حتى لو بلغت آلاف الدولارات شهريًا، لأن المؤسسة اعتادت النظر إلى الإنسان بوصفه وسيلة طبيعية لإنجاز العمل.
لكن المشهد يتبدل بالكامل عندما يكون المطلوب وكيلًا رقميًا يؤدي المهمة نفسها. فجأة تتحول المناقشة إلى تكلفة الاشتراكات، ورسوم التراخيص، واستهلاك واجهات API، وكأن المؤسسة لا تستثمر في مورد إنتاجي، بل تتحمل عبئًا ماليًا غير مبرر. هنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فهي ليست في قيمة التكلفة، بل في الطريقة التي تُصنف بها.
لقد تجاوز الوكيل الرقمي مرحلة كونه مجرد أداة تقنية. فهو يستقبل الطلبات، ويفهم السياق، ويتنقل بين الأنظمة، ويستدعي الخدمات، ويُنجز الإجراءات، ويُعد التقارير، ويعمل باستمرار دون انقطاع. وفي كثير من الحالات يؤدي أعمالًا كانت تُسند إلى موظف إداري أو منسق أو مساعد. ومع ذلك، ما زالت المؤسسات تتعامل معه باعتباره بندًا تابعًا لتقنية المعلومات، بينما تتعامل مع الموظف البشري باعتباره أصلًا تشغيليًا. هذا التناقض لم يعد منطقيًا.
والسؤال الذي يجب أن تطرحه المؤسسات ليس: هل الوكيل الرقمي تكلفة تقنية أم إدارية؟ بل: ما طبيعة العمل الذي يؤديه؟ فإذا كان يدير عمليات الموارد البشرية، أو يتابع طلبات الإجازات، أو يجيب عن استفسارات الموظفين، أو يفرز السير الذاتية، فهو يؤدي وظيفة تنتمي إلى الموارد البشرية، حتى وإن كانت التكنولوجيا هي التي تشغله. أما إذا كان يدير الخوادم، أو يراقب الأنظمة، أو يعالج الأعطال التقنية، فمن الطبيعي أن يكون ضمن مسؤوليات تقنية المعلومات. معيار التصنيف يجب أن يكون الوظيفة، لا الأداة.
من هنا أزعم أنّ إسناد قرار وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى إدارات تقنية المعلومات خطأ تنظيميًا أكثر منه خطأ ماليًا. فهذه الإدارات مسؤولة عن الأمن السيبراني، والتكامل، والبنية التحتية، والحوكمة التقنية، لكنها ليست مسؤولة عن تخطيط القوى العاملة أو إعادة تصميم الوظائف. لا أحد يطلب من تقنية المعلومات أن تقرر حاجة إدارة المبيعات إلى موظف جديد، فلماذا تصبح صاحبة القرار عندما يكون المنفذ وكيلًا رقميًا؟
لهذا السبب أرى أن صلاحية توظيف وكلاء الذكاء الاصطناعي - إذا صحّ المصطلح- يجب أن تنتقل إلى الموارد البشرية. فهذه الإدارة لم تعد مسؤولة عن إدارة الموظفين فحسب، بل أصبحت مطالبة بإدارة القدرات العاملة داخل المؤسسة، سواء كانت بشرية أو رقمية أو هجينة. ومع انتشار الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال الصحيح: كم عدد الموظفين الذين نحتاج إليهم؟ بل أصبح: ما أفضل مزيج من البشر والوكلاء الرقميين لإنجاز العمل؟
ولا يعني ذلك أن الموارد البشرية ستبني النماذج أو تدير مفاتيح API أو تشرف على البنية التقنية. يبقى هذا دور تقنية المعلومات، التي يجب أن تستمر في إدارة المنصات، وتأمين البيانات، وضمان التكامل والامتثال. لكن قرار الحاجة إلى وكيل رقمي، وتمويله، وقياس أثره، يجب أن يصدر من الجهة المالكة للعمل، لا من الجهة المالكة للتقنية.
إن الإصرار على تحميل ميزانية تقنية المعلومات تكلفة كل وكيل رقمي يخلق صراعًا تنظيميًا لا مبرر له. فإدارات الأعمال ترى أن التقنية تعرقل التحول لأنها ترفض المصروفات الجديدة، بينما ترى تقنية المعلومات أنها تتحمل تكاليف تشغيل لا تخصها. والحل ليس في زيادة ميزانية تقنية المعلومات، بل في تصحيح ملكية القرار. من يملك سير العمل هو من يقرر الحاجة إلى الوكيل الرقمي ويتحمل تكلفته، بينما تضمن تقنية المعلومات تشغيله بأمان وكفاءة.
واللافت أن كثيرًا من المؤسسات توافق على توظيف شخص جديد قبل أن تمتلك أي دليل على إنتاجيته، لكنها تطلب من الوكيل الرقمي أن يثبت عائده قبل أن يبدأ العمل. إنه معيار مزدوج يصعب الدفاع عنه. فالقرار الرشيد يجب أن يقارن تكلفة إنجاز العمل وقيمته، لا طبيعة من يؤديه. وإذا كان وكيل رقمي يستطيع إنجاز مهمة متكررة بكفاءة أعلى، وسرعة أكبر، وتكلفة أقل، فإن رفضه لمجرد أنه ليس موظفًا بشريًا يعكس تمسكًا بمفاهيم إدارية تجاوزها الواقع.

خلال السنوات المقبلة لن يكون التحدي في امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل في إعادة تعريف مفهوم التوظيف نفسه. فالتوظيف لن يعني دائمًا إضافة اسم جديد إلى الهيكل التنظيمي، بل قد يعني إضافة قدرة تشغيلية جديدة، يكون جزء منها بشريًا، وجزء منها رقميًا. وعندما تصل المؤسسات إلى هذه المرحلة، سيتغير السؤال من: «من سيدفع تكلفة الوكيل ؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «من يملك حق توظيفه؟».
وفي رأيي، الإجابة واضحة. إذا كان الوكيل يؤدي عملًا يدخل ضمن القوى العاملة، فإن قرار توظيفه يجب أن يكون من صلاحيات الموارد البشرية، أما تقنية المعلومات فدورها أن تضمن أن يعمل هذا الوكيل بأمان، وكفاءة، وضمن إطار حوكمة واضح. هذا الفصل بين ملكية العمل وملكية التقنية ليس مجرد تعديل تنظيمي، بل خطوة ضرورية لكي تتعامل المؤسسات مع الوكلاء الرقميين بوصفهم موردًا إنتاجيًا حقيقيًا، لا مجرد اشتراك تقني يُنظر إليه دائمًا باعتباره تكلفة إضافية.
التعليقات