لم أعد أرى القلق من المستقبل مبالغة. ما يحدث حولنا ليس موجة غلاء عابرة، ولا دورة اقتصادية ستنتهي ونعود بعدها إلى ما كنا عليه. نحن نتحرك ببطء، لكن بثبات، نحو عالم تتسع فيه المسافة بين الفقر والغنى من جهة، وتتلاشى فيه المساحة التي عاشت فيها الطبقة الوسطى لعقود من جهة أخرى.
لم تكن الطبقة الوسطى مجرد فئة دخل. كانت وعدًا اجتماعيًا. أن تعمل، وتجتهد، وتتعلم، وتحصل على وظيفة محترمة، فتستطيع أن تملك بيتًا، وتربي أبناءك، وتسافر أحيانًا، وتشتري ما تحتاجه دون أن تحسب كل ريال أو دولار قبل إنفاقه. هذا الوعد يتكسر الآن.
المشكلة أن المال نفسه فقد معناه القديم. المبلغ الذي كان يمنحك حياة مريحة قبل عشر سنوات صار اليوم بالكاد يكفي لحياة عادية. لم تعد بحاجة إلى المال فقط، بل إلى كثير من المال. دخل جيد لم يعد يعني أمانًا. راتب محترم لم يعد يعني قدرة على شراء بيت. وظيفة مستقرة لم تعد تعني أنك بعيد عن القلق.
التضخم فعل ما هو أخطر من رفع الأسعار، لقد نقل خط الراحة إلى مكان أعلى بكثير. حتى حين تنخفض نسب التضخم في الأخبار، لا تعود الأسعار إلى مكانها السابق. الإيجار يبقى مرتفعًا. الطعام يبقى مرتفعًا. المدارس، الصحة، السفر، الخدمات، كل شيء يبقى عند مستوى جديد. وهكذا يجد الإنسان نفسه يعمل أكثر ليعيش أقل.
الأخطر أن من يملك الأصول يزداد غنى ، ومن لا يملكها يركض خلفها ولا يصل. العقار يرتفع. الأسهم ترتفع. الشركات الكبرى تتوسع. أما صاحب الراتب فيحاول فقط حماية قيمة دخله من التآكل. هنا يبدأ الانقسام الحقيقي: فئة تملك وتستثمر وتراكم، وفئة تستهلك دخلها لتبقى واقفة.
سيضيف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة من الضغط، ولن يكون ضغطًا فكريًا أو مهنيًا فقط، بل ضغطًا مباشرًا على المصاريف. الأفراد سيحتاجون إلى اشتراكات كي يدرسوا، ويعملوا، وينتجوا، ويتعلموا أسرع. الشركات ستحتاج إلى اشتراكات، وبنية تقنية، وتكاملات، وتدريب، وحوسبة، وأدوات مدفوعة كي تبقى في السوق. ما كان ترفًا رقميًا سيصير بندًا ثابتًا في الميزانية.
هنا ستتسع الفجوة أكثر. من يملك المال سيدفع للاشتراكات الأقوى، والنماذج الأذكى، والأدوات الأسرع، والأنظمة التي تختصر عليه الوقت وتزيد إنتاجيته. سيستخدم المال ليشتري اشتراكات في نماذج لغوية إضافية، ثم يوظف هذه الاشتراكات ليصنع مالًا أكثر. أما من لا يملك القدرة على الدفع فسيبقى مع النسخ المحدودة، البطيئة، أو العامة. سيبدو كأنه يعيش في العصر نفسه، لكنه عمليًا يعمل بأدوات أضعف.
هذا لا يخص الأفراد وحدهم. الشركات الصغيرة ستجد نفسها أمام كلفة جديدة لا يمكن تجاهلها. إن لم تدفع للذكاء الاصطناعي تراجعت أمام المنافسين، وإن دفعت زادت مصاريفها. الشركات الكبرى ستتعامل مع هذه الكلفة كاستثمار يعزز أرباحها، أما الشركات الصغيرة فقد تراها عبئًا يضغط هوامشها. النتيجة واضحة: القوي سيصبح أقوى، والضعيف سيدفع ثمن التأخر مرتين؛ مرة لأنه لا يملك المال، ومرة لأنه لا يملك الأدوات التي تصنع المال.
لهذا أرى أن المستقبل القادم مخيف فعلًا، لأنه إعادة ترتيب باردة لقواعد الحياة. من كان يعيش حياة مترفة أو مريحة قبل عشر سنوات سيحتاج اليوم إلى دخل أعلى بكثير ليحافظ على المستوى نفسه. ومن كان في منتصف السلم قد يكتشف أن السلم نفسه يتحرك إلى أعلى أسرع من قدرته على الصعود.
قد لا تنعدم الطبقة الوسطى بالكامل، لكن معناها القديم ينهار. ستبقى موجودة في الإحصاءات، لكنها في الواقع ستكون طبقة قلقة: دخلها جيد على الورق، ضعيف أمام السكن، هش أمام المرض، مكشوف أمام فقدان الوظيفة، ومتأخر أمام من يملكون الأصول والتقنية والقدرة على شراء الأدوات الأقوى.
هذا ليس تشاؤمًا البتّة، بل إنّه قراءة لما نعيشه يوميًا. لم تعد الحياة تكافئ العمل وحده كما كانت. صارت تكافئ الملكية، والموقع، والقدرة على دفع تكلفة الأدوات التي تضاعف الإنتاجية، والنجاة من التضخم قبل أن يبتلع الدخل.
من لا يرى ذلك الآن سيشعر به لاحقًا. المستقبل لن يقسم الناس إلى متعلمين وغير متعلمين فقط، ولا إلى موظفين وعاطلين فقط. سيقسمهم إلى من يملكون ما يكفي لشراء الوقت والراحة والفرص والذكاء الاصطناعي الأقوى، ومن يعملون فقط كي يبقوا في المكان نفسه.
الله المستعان
التعليقات