|
|
|
الحماية الاجتماعية ليست بالضرورة عدوًا للعمل، بل قد تتحول، إذا أُحسن تصميمها، إلى جسر نحو العمل الرسمي.
|
|
|
يتكرر اعتراض شائع كلما طُرحت فكرة الدخل الأساسي أو الحد الأدنى المضمون للدخل: إذا ضمنت الدولة للناس حدًا أدنى من الدخل، فسيتوقفون عن العمل، أو سيفضلون الاعتماد على الإعانات بدل البحث عن وظيفة. غير أن التجربة الإسبانية تقدم صورة أكثر تعقيدًا وأبعد عن التبسيط. فهي لا تثبت أن الدعم الاجتماعي وحده يصنع النمو، لكنها تُظهر أن الحماية الاجتماعية لا تعني بالضرورة عزوف الناس عن العمل، ولا تمنع الاقتصاد من خلق وظائف جديدة، ولا تحول دون توسع قاعدة المنتسبين إلى الضمان الاجتماعي.
|
|
|
في البداية، لا بد من ضبط المصطلحات. فإسبانيا لا تطبق «الدخل الأساسي الشامل» بالمعنى الكامل للكلمة، أي دخلاً يُمنح لجميع المواطنين بلا شروط. بل تطبق برنامجالدخل الأدنى الحيوي(Ingreso Mínimo Vital)، وهو دعم موجّه للأسر والأفراد ذوي الموارد المحدودة. ولا يهدف هذا البرنامج إلى استبدال العمل، بل إلى ضمان حد أدنى من الدخل للأسر الواقعة تحت مستوى معيّن من الموارد، مع توفير حماية خاصة للأطفال والفئات الأكثر هشاشة.
|
|
|
وعليه، فإن الحالة الإسبانية لا تمثل نموذجًا حرفيًا للدخل الأساسي الشامل، لكنها تقدم مثالًا مهمًا للإجابة عن سؤال قريب منه: هل يؤدي ضمان حد أدنى من الدخل إلى إضعاف الحافز على العمل؟ وتشير الأرقام الإسبانية إلى أن الإجابة ليست بهذه البساطة.
|
|
|
يعتمد برنامج الدخل الأدنى الحيوي على مفهوم«الدخل المكمّل». فالدولة لا تمنح مبلغًا ثابتًا للجميع، بل تقارن بين دخل الأسرة الفعلي ومستوى دخل مضمون يختلف باختلاف عدد أفرادها. فإذا كان دخل الأسرة أقل من المستوى المضمون، دفعت الدولة الفرق. وإذا لم يكن للأسرة أي دخل، حصلت على كامل المبلغ المقرر. أما إذا كان لديها دخل جزئي، فتتلقى ما يكمل دخلها إلى الحد المضمون. وبهذه الآلية، يتحول الدعم إلى شبكة أمان اجتماعي، لا إلى بديل كامل عن العمل.
|
|
|
في عام 2026، يبلغ الدخل المضمون نحو 734 يورو شهريًا للفرد البالغ الذي يعيش بمفرده، و954 يورو شهريًا لأسرة تتكون من شخصين بالغين، و1,394 يورو شهريًا لأسرة تضم شخصين بالغين وطفلين، قبل احتساب مخصصات الطفولة.
|
|
|
كما يمكن للأسر التي لديها أطفال الاستفادة منمكمّل دعم الطفولة(Complemento de Ayuda para la Infancia)، والذي تبلغ قيمته في عام 2026 نحو 115 يورو شهريًا لكل طفل دون الثالثة، و80.50 يورو للأطفال بين 3 و6 سنوات، و57.50 يورو للأطفال بين 6 و18 عامًا.
|
|
|
وبذلك يمكن لأسرة مكوّنة من شخصين بالغين وطفلين، من دون أي دخل، أن تحصل على نحو 1,394 يورو شهريًا كدخل أساسي مضمون، يضاف إليه دعم الطفولة بحسب أعمار الأطفال. فإذا كان الطفلان دون الثالثة، يرتفع المبلغ إلى نحو 1,624 يورو شهريًا. أما إذا كانا بين 6 و18 عامًا، فيصل المجموع إلى نحو 1,509 يورو شهريًا. وفي المقابل، يبلغ الحد المضمون لأسرة مكوّنة من شخصين بالغين فقط نحو 954 يورو شهريًا.
|
|
|
وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من كونها لا تمثل رفاهية مالية، بل حدًا أدنى للحماية من الفقر الشديد، خصوصًا في بلد أوروبي ترتفع فيه تكاليف السكن والمعيشة.
|
|
|
غير أن النقطة الحاسمة في التجربة الإسبانية لا تكمن في وجود الدعم وحده، بل في طريقة تصميمه. فالكثير من برامج المساعدة التقليدية تقع في ما يُعرف بـ«فخ الفقر»، إذ يفقد المستفيد الدعم بمجرد حصوله على عمل، ما يجعل العمل أقل جدوى من الناحية المالية.
|
|
|
حاولت إسبانيا معالجة هذه المشكلة عبر جعل الدخل الأدنى الحيوي متوافقًا مع العمل المأجور والعمل الحر. وفي عام 2026 جرى تبسيط حوافز العمل بحيث لا تُحتسب أول 6,000 يورو من الزيادة في دخل العمل عند احتساب الاستحقاق خلال عام كامل، بينما يُحتسب 50% فقط مما يزيد على ذلك. وبذلك لا يُعاقب المستفيد فور حصوله على وظيفة أو زيادة دخله، بل يحتفظ بحافز اقتصادي واضح للانخراط في سوق العمل وتحسين أوضاعه المعيشية.
|
|
|
وهنا يبرز الدرس الأهم: الحماية الاجتماعية ليست بالضرورة عدوًا للعمل، بل قد تتحول، إذا أُحسن تصميمها، إلى جسر نحو العمل الرسمي. فالشخص الذي يعيش في هشاشة اقتصادية حادة قد يتردد في تحمل مخاطر الانتقال إلى وظيفة جديدة، أو قد يلجأ إلى العمل غير المصرح به، أو يبقى خارج النظام الرسمي خشية فقدان أي دعم يحصل عليه. أما عندما تتوافر شبكة أمان واضحة، ولا يفقد الفرد كل شيء بمجرد دخوله سوق العمل، يصبح الانتقال إلى الوظائف الرسمية أكثر واقعية وأقل مخاطرة.
|
|
|
ولا يعني ذلك أن جميع المستفيدين سيتحولون إلى عاملين أو رواد أعمال، لكنه يضعف الادعاء القائل إن الحد الأدنى المضمون للدخل يؤدي تلقائيًا إلى الكسل أو العزوف عن العمل.
|
|
|
وتدعم البيانات الإسبانية الحديثة هذه القراءة. ففي مايو 2026 تجاوز عدد المنتسبين إلى الضمان الاجتماعي لأول مرة22.3 مليون شخص، مسجلًا 22,337,806 منتسبين، بعد زيادة بلغت 231,975 منتسبًا خلال شهر واحد. ووصفت الحكومة هذا الرقم بأنه مستوى تاريخي غير مسبوق للتوظيف.
|
|
|
وفي الشهر نفسه، انخفض عدد العاطلين المسجلين إلى 2,320,721 شخصًا، وهو أدنى مستوى يُسجل في شهر مايو منذ عام 2007. ورغم أن هذه الأرقام لا تثبت أن الدخل الأدنى الحيوي كان السبب المباشر في خلق الوظائف، فإنها تنفي الفرضية المقابلة التي تفترض أن وجود هذا النوع من الحماية يؤدي بالضرورة إلى تراجع العمل أو الانسحاب الجماعي من سوق العمل.
|
|
|
|
|
|
كما لم تقتصر الزيادة على قطاع واحد. فإلى جانب مساهمة السياحة والخدمات، ولا سيما الضيافة والتجارة، شهدت قطاعات البناء، والنقل، والزراعة، والأنشطة الفنية والترفيهية، والمياه والصرف الصحي، والنشر والإعلام نموًا في التوظيف. كذلك تحسنت جودة الوظائف من خلال زيادة العقود الدائمة وتراجع الاعتماد على العقود المؤقتة مقارنة بالسنوات السابقة.
|
|
|
ويزداد هذا التحليل أهمية عند النظر إلى العاملين المستقلين(Autónomos). فمنذ إطلاق برنامج الدخل الأدنى الحيوي عام 2020، لم يتراجع العمل الحر، بل ارتفع عدد العاملين لحسابهم الخاص من نحو 3.25 مليون شخص في يونيو 2020 إلى 3.46 مليون شخص في مايو 2026. وخلال مايو 2026 وحده بلغ عددهم 3,460,443 شخصًا، بزيادة 45,850 شخصًا عن العام السابق.
|
|
|
ولا تعني هذه الزيادة أن البرنامج هو السبب المباشر في نمو العمل المستقل، لكنها تشير إلى أن وجود شبكة حماية اجتماعية لم يقضِ على روح المبادرة الفردية، ولم يمنع الأفراد من تأسيس أعمالهم أو التسجيل ضمن الاقتصاد الرسمي.
|
|
|
وتزداد أهمية هذه الملاحظة مع تسجيل نمو ملحوظ في قطاعات عالية القيمة، مثل الطاقة، والاتصالات، والبرمجة، والاستشارات التقنية، والأنشطة العقارية، والنشر، وإنتاج المحتوى الإعلامي. وهو ما يدعم فرضية أن الأمان الاجتماعي قد يساعد بعض الأفراد على الانتقال إلى أنشطة رسمية أكثر إنتاجية بدل البقاء في الاقتصاد غير المنظم.
|
|
|
ومع ذلك، ينبغي الحفاظ على قدر من الدقة. فلا يمكن الادعاء بأن الدخل الأدنى الحيوي وحده هو الذي صنع هذه النتائج. فقد ساهمت عوامل أخرى، منها النمو الاقتصادي، والإصلاحات العمالية، وانتعاش السياحة، وزيادة الطلب على الخدمات، وتحسن أداء قطاعات مثل البناء، والصحة، والتعليم، والخدمات الإدارية.
|
|
|
كما أشارت بعض الدراسات المستقلة إلى احتمال وجود تأثير محدود على مشاركة بعض المستفيدين في سوق العمل. لذلك، فإن الدفاع عن هذه السياسة لا يقوم على إنكار المخاطر، بل على إدارتها من خلال التصميم الجيد. فالمشكلة ليست في الحماية الاجتماعية نفسها، بل في طريقة بنائها. وإذا كانت المساعدات تُسحب فورًا عند الحصول على عمل، فقد تُضعف الحافز. أما إذا كانت متدرجة ومتوافقة مع الدخل، فقد تتحول إلى أداة تشجع الاندماج الاقتصادي.
|
|
|
ومن هذا المنطلق، تقدم إسبانيا مساهمة مهمة في النقاش الدائر عربيًا وعالميًا حول الدخل الأساسي أو الحد الأدنى المضمون للدخل. فالفكرة ليست أن الدولة توزع الأموال فيتوقف الناس عن العمل، بل أن الحد الأدنى من الأمان المعيشي قد يجعل العمل ممكنًا أصلًا.
|
|
|
فالفقير لا يحتاج إلى وظيفة فقط، بل يحتاج أيضًا إلى القدرة على التنقل، وتأمين السكن، والحصول على الغذاء، والاتصال بالإنترنت، وامتلاك الوقت والموارد اللازمة للبحث عن عمل، إضافة إلى القدرة على رفض شروط الاستغلال. وعندما تغيب هذه المقومات، يصبح العمل الهش أو غير الرسمي الخيار الوحيد. أما عندما تتوافر شبكة أمان، تصبح فرص الانتقال إلى عمل رسمي ومستقر أكثر واقعية.
|
|
|
لا تقدم التجربة الإسبانية برهانًا نهائيًا على نجاح جميع أشكال الدخل الأساسي، لكنها تقدم دليلًا قويًا ضد الافتراض القائل إن أي دخل مضمون سيقود حتمًا إلى عزوف الناس عن العمل. فالسياسات الاجتماعية لا تُقاس بالشعارات، بل بطريقة تصميمها ونتائجها الفعلية.
|
|
التعليقات