|
|
|
عندما يُستنزف وعيك باللامنطق، قد تتآكل مناعتك النقدية تدريجياً
|
|
|
هل شاهدتَ من قبل تلك البطاطا التي تتقاتل مع حبّة طماطم؟
|
|
|
في ثوانٍ قليلة، حقّق هذا المقطع ملايين المشاهدات، وكأنّه انفجر في وجه الجمهور بمحتوى قد لا تستطيع مقاومة متابعته حتى النهاية. مشاهد عبثية، وغير منطقية، ومن الواضح أنّ الذكاء الاصطناعي هو من أنتجها. لكن السؤال الأهم: لماذا نعجز عن التوقّف عن مشاهدتها؟ ولماذا يُكمل كثيرون هذه المقاطع حتى آخر ثانية؟
|
|
|
هل نتعرّض لنوع من التنويم المغناطيسي الرقمي؟ وهل تتلاعب خوارزميات المنصّات بأجهزتنا العصبية؟
|
|
|
وهل يمكن أن يتحوّل انتشار هذا النوع من المحتوى إلى ما يشبه «خدعة العصفور»، حيث تُشغلك بشيء تافه بينما يُدفن أمر أكثر خطورة في مكان آخر؟
|
|
|
تبدأ الحكاية من بيولوجيا الدماغ، وتحديداً من نظرية تُعرف باسم «تناقض المخططات الذهنية»، التي صاغها عالم النفس الأميركي جورج ماندلر (George Mandler). يرى ماندلر أنّ العقل حين يواجه شيئاً مألوفاً، يتعامل معه وفق توقّعات جاهزة ومخططات مسبقة. ولنفترض هنا مثال حبّة البطاطا: عندما تراها، يستدعي دماغك صورة ذهنية لشيء صامت وصلب وغير حيّ. لكن حين تشاهدها تصرخ، أو تتقاتل، أو تبكي، يحدث تناقض مفاجئ داخل جهازك العصبي.
|
|
|
الدماغ، وفق نظريات بيولوجية عدّة، مبرمج على التوقّف عند كسر النمط من أجل تقييم التهديد المحتمل. فكل مفاجأة قد تعني خطراً، وكل خلل في التوقّعات يستدعي الانتباه. ويُعرف هذا بما يُسمّى «استجابة التوجيه» (Orienting Response). والخوارزميات، ببساطة، تفهم هذه الآلية جيداً، وتعرف كيف تسرق منك تلك الثواني الثمينة.
|
|
|
الحقيقة أنّ شركات التقنية تدرك تماماً هذه الخدعة النفسية. وقد شبّه بعض الموظفين السابقين في شركات التكنولوجيا الكبرى عملهم بتجارة المخدّرات؛ فهم، بحسب وصفهم، «يبيعون الانتباه». لذلك تُضخّ كميات هائلة من المحتوى العشوائي والغريب، الذي يعمل مثل ماكينة قمار تفرز «الدوبامين» (Dopamine)، لتُبقي المستخدم مدمناً لأطول فترة ممكنة.
|
|
|
ووفق أبحاث مستقلّة، فإنّ هذه الثواني المسروقة من انتباهك ليست بلا ثمن، بل تحوّلت إلى صناعة قائمة بذاتها. حتى إنّ هذا النوع من المقاطع بات يُعرف داخل أروقة بعض شركات التكنولوجيا باسم «المحتوى الرديء» أو (Slop Content)، في إشارة إلى رداءته وضعف قيمته.
|
|
|
الخطر الحقيقي أنّ هذه الرداءة تنتشر اليوم كطوفان رقمي. وتشير إحدى الدراسات إلى أنّ المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي يشكّل ما بين 30 و40 في المائة من المحتوى المنشور على «فيسبوك» (Facebook). كما أعلنت شركة «تيك توك» (TikTok)، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أنّ أكثر من مليار و300 مليون منشور على منصّتها جرى توليده بالذكاء الاصطناعي، سواء كان ذا جودة عالية أو منخفضة.
|
|
|
تخيّلوا حجم هذا الإنتاج اليوم، في مايو (أيار) 2026.
|
|
|
|
|
|
وإذا كان هذا هو الأثر النفسي على مستوى الفرد، فإنّ الخطر الجماعي يبدو أكثر عمقاً، خصوصاً عندما تبدأ هذه الرداءة في منافسة المحتوى الإخباري أو الإنساني. فإذا كانت الخوارزميات بالأمس تقلّل من انتشار بعض الاخبار، فقد لا تحتاج اليوم إلى إخفائها مباشرة؛ إذ يكفي أن تُغرقها في فائض هائل من الضجيج الرقمي والمحتوى العبثي، حتى يختنق صوتها وسط هذا السيل المتدفّق من التفاهة المصنوعة.
|
|
|
وربما هذا ما حذّر منه الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار (Jean Baudrillard) حين صاغ مفهوم «الواقع الفائق» (Hyperreality)، حيث يصبح التمييز بين الحقيقة والمحاكاة أمراً شبه مستحيل.
|
|
|
فعندما يُستنزف وعيك باللامنطق، قد تتآكل مناعتك النقدية تدريجياً. وعندها، لا تحتاج أي جهة إلى تزوير الأخبار أو قلب الروايات؛ يكفي فقط أن تُباد شعوب، وتُنهب ثروات، بينما تُغرقك الخوارزميات في صراع ملحمي بين البطاطا والطماطم.
|
|
|
المصدر: الجزيرة تكنولوجيا - نسرين بدور - بتصرّف
|
|
التعليقات