|
|
|
في كل مرة ترى فيها شيئاً «ظهر فجأة في كل مكان»، اسأل السؤال الأهم:هل هذا «ترند» فعلاً؟ أم أن أحدهم دفع جيداً ليجعل عقلك يظن أنه «ترند»؟
|
|
|
ليس كل ما تراه منتشراً بدأ فعلاً من الجمهور.
|
|
|
أحياناً لا يبدأ «الترند» من شخص عادي أعجبه مقطع، ولا من جمهور اكتشف أغنية فجأة، ولا من نقاش شعبي انفجر تلقائياً. أحياناً يبدأ من شركة تعرف كيف تزرع الإشارة الأولى داخل الخوارزمية، ثم تترك الناس يُكملون الباقي.
|
|
|
هنا يدخل الاقتصاد السلوكي.
|
|
|
فالإنسان لا يقرر دائماً بناءً على جودة الشيء نفسه، بل بناءً على الإشارات المحيطة به. عندما يرى أغنية تتكرر في كل مكان، أو مقطعاً يتداوله أكثر من حساب، أو رأياً سياسياً يبدو واسع الانتشار، يبدأ عقله في قراءة المشهد بطريقة مختلفة:
|
|
|
«يبدو أن الناس مهتمون بهذا».
«ربما فاتني شيء».
«طالما أن الجميع يتحدث عنه، فلا بد أنه يستحق المشاهدة».
|
|
|
هذه ليست صدفة. هذا ما يُعرف أحياناً بـ«العدوى الاجتماعية» (Social Contagion). فالفكرة لا تنتشر فقط لأنها قوية، بل لأنها تبدو منتشرة. والناس لا يشاهدون الشيء دائماً لأنه مهم، بل أحياناً لأنهم يظنون أن الآخرين يشاهدونه.
|
|
|
ومن هنا تبدأ الحفلة:
|
|
|
أولاً، تُنشر المقاطع عبر حسابات تبدو عادية: صفحة «ميمز» (Memes)، أو حساب معجبين، أو صفحة اقتباسات، أو حساب أفلام، أو حتى حساب يشبه مستخدماً حقيقياً.
|
|
|
ثانياً، يحصل المحتوى على دفعة أولى من المشاهدات والتفاعل، سواء عبر شبكة منظمة، أو حملة مدفوعة، أو حسابات مُدارة.
|
|
|
ثالثاً، تقرأ الخوارزمية هذه الإشارات بوصفها اهتماماً عضوياً، فتدفع المحتوى إلى جمهور أوسع.
|
|
|
رابعاً، يرى الجمهور الحقيقي أن المحتوى «رائج»، فيضغط عليه بدافع الفضول، أو الخوف من فوات الشيء (FOMO)، أو الرغبة في فهم ما يتحدث عنه الآخرون.
|
|
|
خامساً، يتحول التفاعل المصطنع في البداية إلى تفاعل حقيقي لاحقاً.
|
|
|
هنا تصبح الحملة أكثر خطورة؛ لأنها لا تحتاج إلى خداع الجميع. يكفي أن تخدع الخوارزمية أولاً، ثم تخدع جزءاً من الجمهور بفكرة أن «الجميع يشاهد». بعد ذلك، يصبح الناس أنفسهم جزءاً من آلة الانتشار.
|
|
|
يشبه ذلك مبدأ «الدليل الاجتماعي» (Social Proof): فعندما لا نعرف ما إذا كان الشيء يستحق الاهتمام، ننظر إلى سلوك الآخرين بوصفه اختصاراً عقلياً. عدد المشاهدات، وكثرة التعليقات، وتكرار ظهور المقطع، وانتشاره عبر صفحات مختلفة؛ كلها تتحول إلى إشارات تقول لنا: «هذا مهم».
|
|
|
حتى لو لم يكن مهماً في البداية.
|
|
|
وهنا يظهر مفهوم آخر: «القطيع الرقمي». ليس بمعنى أن الناس بلا عقل، بل بمعنى أن المنصات مصممة لتقليل وقت التفكير. فأنت لا ترى العالم كما هو، بل ترى ما قررت الخوارزمية أنه يستحق الظهور. وعندما يتكرر الشيء أمامك بما يكفي، يبدأ عقلك في التعامل معه بوصفه واقعاً اجتماعياً.
|
|
|
هذا تحديداً ما تكشفه قصة «فلوديفاي» (Floodify)، كما رواها مؤسسها جو ليم (Joe Lim) لمجلة «فالتشر» (Vulture). فالشركة، بحسب روايته، كانت تدير شبكة ضخمة من الحسابات الوهمية أو شبه الوهمية، وتنشر عشرات الآلاف من المقاطع يومياً عبر «تيك توك» (TikTok)، و«إنستغرام» (Instagram)، و«يوتيوب» (YouTube)، و«إكس» (X). لم يكن الهدف أن تقول للناس: «هذا إعلان»، بل أن يشعروا بأن «الجميع يتحدث عن هذا».
|
|
|
وهذا هو المنتج الحقيقي في هذا السوق:
|
|
|
ليس الإعلان،
بل الإحساس بالانتشار.
|
|
|
ليس الإقناع المباشر،
بل صناعة بيئة تجعل الناس يقنعون أنفسهم.
|
|
|
|
|
|
فتبدو الأغنية كأن الجمهور اكتشفها، ويبدو الفنان كأنه أصبح ظاهرة، ويبدو المقطع كأنه موجة عفوية، بينما يبدو الرأي السياسي كأنه نبض الشارع.
|
|
|
لكن خلف هذا الإحساس هناك شبكة مدفوعة: مقاطع جاهزة، وحسابات مُدارة، وتعليقات محسوبة، وتوقيت نشر مصمم لدفع الخوارزمية وتحريك غرائزنا السلوكية.
|
|
|
ويُعرف هذا النموذج في الصناعة باسم «كليبنغ» (Clipping): أي تحويل المادة الأصلية إلى عدد كبير من المقاطع القصيرة، ثم توزيعها عبر حسابات تبدو مستقلة. وتُسميه بعض الشركات: «حملات المحتوى الذي ينشئه المستخدم» (UGC Campaigns)، أو «حملات صفحات المعجبين» (Fanpage Campaigns)، أو «حملات السردية» (Narrative Campaigns). تختلف الأسماء، لكن الفكرة واحدة: صناعة زخم يبدو شعبياً.
|
|
|
ولا يقف الخطر عند الموسيقى أو الترفيه. فهذه الآلية نفسها يمكن استخدامها في السياسة، وفي صناعة السمعة العامة، وفي مهاجمة الخصوم، وفي تضخيم فكرة أو دفن أخرى. فعندما يعتقد الناس أن رأياً ما يمثل رأي الأغلبية، قد يترددون في مخالفته. وعندما يظنون أن الجميع يتجه نحو فكرة معينة، قد يلحقون بها فقط حتى لا يكونوا خارج الموجة.
|
|
|
لم يعد الرأي العام يتشكل فقط بما يقتنع به الناس، بل أحياناً بما تعتقد الخوارزمية أن الناس اقتنعوا به، ثم بما يظنه الناس عن اقتناع الآخرين.
|
|
|
وهذه هي اللعبة كاملة:
|
|
|
اصنع إشارة أولى.
اجعل الخوارزمية تلتقطها.
دع الجمهور يراها بوصفها دليلاً اجتماعياً.
ثم اترك العدوى تكمل الانتشار.
|
|
|
في الماضي كان الإعلان واضحاً: شركة تدفع لتظهر أمامك.
|
|
|
أما اليوم، فقد يكون الإعلان متنكراً في هيئة جمهور.
|
|
|
لذلك، في كل مرة ترى فيها شيئاً «ظهر فجأة في كل مكان»، اسأل السؤال الأهم:
|
|
|
هل هذا «ترند» فعلاً؟
أم أن أحدهم دفع جيداً ليجعل عقلك يظن أنه «ترند»؟
|
|
التعليقات