الانفجار المعرفي: كيف نُعيد تعريف التعلّم في عصر يتضاعف فيه كل شيء؟ |
| 6 أبريل 2026 • بواسطة د. فادي عمروش • #العدد 174 • عرض في المتصفح |
|
تبرز مهارة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها حاسمة في أثرها: طرح السؤال الصحيح. لم تعد الإجابة هي العنصر النادر، بل السؤال الجيّد. لأن جودة ما تحصل عليه من معرفة باتت تعتمد، إلى حدّ بعيد، على دقّة ما تسأل عنه.
|
|
|
|
استيقظتُ ذلك الصباح على رسالة قصيرة، بدت عابرة في ظاهرها، لكنها حملت فكرة قادرة على إعادة تشكيل الطريقة التي ننظر بها إلى التعلّم. كان مقطعًا سريعًا للدكتور راسل قاسم، يتحدّث فيه عن ضرورة تغيير أسلوب تعلّمنا في عصر الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence). لم يكن الحديث عن أدوات جديدة، بل عن تحوّل أعمق يمسّ جوهر العلاقة بين الإنسان والمعرفة. |
|
قبل أكثر من قرن، كانت المعرفة البشرية تنمو بوتيرة يمكن استيعابها؛ إذ كانت تتضاعف تقريبًا كل مئة عام. كان بالإمكان، نظريًا على الأقل، أن يقضي الإنسان عمره في التعلّم، ويظلّ قريبًا ممّا يجري في مجاله. اليوم، تغيّر كل شيء. لم يعد النمو خطّيًا، بل أصبح أُسّيًا؛ تتضاعف المعرفة كل عام تقريبًا، وفي بعض التخصّصات قد يحدث ذلك خلال ساعات. فجأة، لم يعد السؤال: ماذا تعرف؟ بل: كيف يمكنك أن تظلّ مواكبًا في عالم لا ينتظر أحدًا؟ |
|
وكما يشير د. راسل يتسلّل هذا التحوّل إلى حياتنا اليومية في صورة شعور مألوف: أنك تركض باستمرار، لكنك لا تصل. تفتح نافذة، فتجد عشرات المصادر؛ تقرأ مقالًا، فتظهر مراجع جديدة؛ تتابع تحديثًا، فتدرك أن هناك تحديثًا أحدث. لم تعد المشكلة في غياب المعلومة، بل في وفرتها المربكة. لقد انتقلنا من عصر الندرة إلى عصر الفوضى. |
|
في هذا السياق، يفقد نموذج “العالِم الموسوعي” بريقه القديم. لم يعد ممكنًا، مهما بلغ اجتهاد الفرد، أن يُحيط بكل ما يُنشر في مجاله. حتى أضيق التخصّصات تشهد توسّعًا متسارعًا يجعل الإلمام الكامل بها وهمًا مهذّبًا. ومع هذا التحوّل، يصبح الاعتماد على الحفظ وحده عبئًا أكثر منه ميزة، لأن ما تحفظه اليوم قد يتقادم قبل أن تستخدمه. |
|
هنا يبدأ التحوّل الحقيقي وفق د. راسل وهو: من تكديس المعرفة إلى إدارتها. لم يعد المطلوب أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف كيف تصل إلى ما تحتاجه، حين تحتاجه، وبأقل جهد ممكن. يصبح التعلّم عملية مرنة، مرتبطة بالسياق، وموجّهة بالهدف. ومع صعود الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، لم تعد الذاكرة البشرية هي الأداة الأهم، بل القدرة على التوجيه، والاختيار، واتخاذ القرار. |
|
وسط هذا المشهد، تبرز مهارة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها حاسمة في أثرها: طرح السؤال الصحيح. لم تعد الإجابة هي العنصر النادر، بل السؤال الجيّد. لأن جودة ما تحصل عليه من معرفة باتت تعتمد، إلى حدّ بعيد، على دقّة ما تسأل عنه. السؤال لم يعد مجرّد بداية، بل أصبح بوصلة. |
|
ومع الوقت، يتّضح أن التكيّف مع هذا العالم لا يتطلّب جهدًا أكبر بقدر ما يتطلّب وعيًا مختلفًا. أن تختار مصادر قليلة، لكن موثوقة؛ أن تتعلّم حين تحتاج، لا حين يُملى عليك؛ أن تربط المعرفة بالفعل، لا أن تتركها معلّقة في الذهن؛ وأن تُبقي مساحة دائمة للشكّ، لأن الحقيقة لم تعد دائمًا في متناول اليد، رغم وفرة المعلومات. |
|
|
في النهاية، لا تكمن المفارقة في أننا نعرف أقل، بل في أننا نواجه أكثر مما يمكن أن نعرفه. وهنا يتحدّد الفارق الحقيقي: بين من يُغرقه سيل المعلومات، ومن يتعلّم كيف يسبح فيه بوعي. النجاح لم يعد لمن يملك أكبر قدر من المعرفة، بل لمن يُحسن الوصول إليها، ويفهمها، ثم يستخدمها في اللحظة المناسبة لاتخاذ قرار أفضل. |
|
دمتم مبدعين بالسؤال الصحيح |



التعليقات