هل يُقاس نجاحنا بما نحقّقه، أم بما يحقّقه الآخرون؟ |
| 2 أبريل 2026 • بواسطة د. فادي عمروش • #العدد 172 • عرض في المتصفح |
|
لا تُحدَّد جودة حياتنا بما نحقّقه مقارنةً بالآخرين، بل بقدرتنا على رؤية تقدّمنا بمعزلٍ عن ضجيج المقارنات.
|
|
|
|
تحياتي |
|
وبدون مقدمات، أتكلم هنا عن المقارنة ودورها في تعريف النجاح المهني في حياتنا. |
|
لا تبدأ المقارنة كخيارٍ واعٍ، بل تتسرّب بهدوء إلى وعينا، وتُعيد تشكيل نظرتنا لأنفسنا دون أن ننتبه. ننظر حولنا، فنرى من تقدّم، ومن سبق، ومن حقّق ما كنّا نطمح إليه، ثم نسأل—بشكلٍ شبه تلقائي: أين أقف أنا من كلّ هذا؟ |
|
في البداية، تبدو المقارنة بريئة. بل لعلّها ضرورية. فهي التي تدفعنا إلى تحسين أدائنا، وتوسيع طموحاتنا، والخروج من مناطق الراحة. لكن ما لا نلاحظه سريعًا هو أنّ هذه الأداة نفسها، التي تُحرّكنا إلى الأمام، قد تتحوّل—بهدوء—إلى عبءٍ داخليٍّ ثقيل. |
|
ذلك لأنّ المقارنة لا تعرف الثبات. |
|
نحقّق هدفًا، فنشعر بالرضا… للحظة. ثم لا يلبث هذا الشعور أن يتلاشى، ليس لأنّ الإنجاز فقد قيمته، بل لأنّ معيارنا تغيّر. ما كان يومًا إنجازًا كبيرًا، يصبح فجأة أمرًا عاديًا، وما كان سقفًا للطموح يتحوّل إلى أرضيةٍ جديدة نقف عليها لنقارن أنفسنا مجددًا. وهكذا، ندخل في سباقٍ لا خطّ نهاية له. |
|
لا تكمن المشكلة في أنّنا نقارن، بل في كيفيّة المقارنة، ومع من، ولماذا. حين نقارن أنفسنا بنماذج استثنائية، أو قصصٍ مختصرةٍ للنجاح، فإنّنا لا نقيس واقعنا، بل نقيس نسخةً مُنتقاة ومُجمّلة من الواقع. وحين نقارن أنفسنا بالأقربين إلينا، لا نقارن ذواتنا بأكملها—قيمتنا، ومكانتنا فقط، بل نقارن الإنجازات أيضًا وصورتنا في أعين الآخرين. |
|
|
عند هذه النقطة، يتغيّر كلّ شيء. |
|
لا يعود التأخّر مجرّد تأخّرٍ مهني، بل يتحوّل إلى شعورٍ بالنقص. ولا يعود التقدّم كافيًا، لأنّ هناك دائمًا من يبدو أكثر تقدّمًا. ويصبح الانتباه مشتّتًا بين ما نفعله، وما يفعله الآخرون، فنفقد التركيز على المسار، وننشغل بمراقبة السباق. |
|
ومع الوقت، لا تتآكل الإنجازات، بل يتآكل الإحساس بها. |
|
ومع ذلك، ليس الحلّ في التخلّي عن المقارنة؛ فهذا، ببساطة، غير ممكن. فـالعقل البشريّ مُصمَّم ليقارن، ليُحدّد موقعه، ويفهم العالم من حوله. لكن يمكننا أن نُعيد تعريف علاقتنا بها. |
|
يمكن أن نستخدم المقارنة كأداةٍ، لا كمرآةٍ نحاكم بها أنفسنا. كوسيلةٍ لتحديد ما ينقصنا من مهارات، لا لتحديد ما ننقصه من قيمة. كإشارةٍ تُرشدنا إلى الخطوة التالية، لا كحكمٍ نهائيٍّ على مسيرتنا. |
|
الفرق دقيق، لكن أثره عميق. |
|
عندما نُدرك أنّ قيمتنا لا تتغيّر بتغيّر ترتيبنا، وأنّ المسارات المهنية ليست سباقًا موحّدًا، بل تجارب متباينة بإيقاعات مختلفة، تبدأ المقارنة في فقدان قدرتها على استنزافنا. |
|
حينها فقط، يمكن أن نستفيد منها… دون أن نقع في فخّها. |
|
دمتم ناجحين غير مقارنين :) |



التعليقات