حين تتحوّل الهِبة إلى استحقاق |
| 23 مارس 2026 • بواسطة د. فادي عمروش • #العدد 169 • عرض في المتصفح |
|
حين يُترك العطاء للتكرار العفوي من دون ضبط للتوقّعات، يفقد معناه تدريجياً، ويتحوّل من مصدر امتنان إلى سبب للاستحقاق
|
|
|
|
في عالم الأعمال والعلاقات الإنسانية، يفشل العطاء عبر الزمن لأنّه يُساء فهمه مع الزمن. ما يبدأ كلفتة كريمة يلفت الانتباه، قد ينتهي—بهدوء ودون قصد—كمصدر استياء. المفارقة أنّ المشكلة لا تكمن في نقص العطاء، بل في تكراره من دون وعي. حيث يتحوّل الامتنان إلى اعتياد، ثم إلى استحقاق، ثم بعد ذلك إلى شعور بالظلم عند التوقّف. |
|
يبدأ الأمر عادةً بلفتة بسيطة تبدو عابرة: مبادرة كريمة، أو جهد إضافي، أو عطاء غير متوقّع لا يُطلب في الأصل. في لحظتها الأولى، تُقابل هذه المبادرة بدهشة صادقة وامتنان واضح، إذ يشعر الطرف الآخر بأنّه حظي بشيء استثنائي يتجاوز الحدّ الطبيعي. غير أنّ هذه اللحظة لا تبقى على حالها طويلاً، لأنّ الذهن الإنساني لا يتعامل مع العطاء بوصفه حدثاً ثابتاً، بل يعيد تفسيره مع كل تكرار. |
|
مع مرور الوقت، يبدأ الأثر العاطفي في التراجع تدريجياً. ما كان يثير الامتنان يتحوّل إلى أمر مألوف، ثم إلى جزء من الروتين اليومي. |
|
الموظفون الذين استقبلوا في البداية ميزةً مثل وجبة غداء أسبوعية بحماس كبير، لم يعودوا يرون فيها بعد أشهر سوى تفصيل اعتيادي لا يستحق التوقّف عنده. لا لأنّ قيمة العطاء تغيّرت، بل لأنّ الإحساس به تبدّل بفعل التكرار. وهنا، لا يختفي العطاء نفسه، بل يختفي أثره. |
|
وفي موازاة ذلك، يعمل العقل على بناء توقّعاته الخاصة من دون وعي صريح. يخلق التكرار نمطاً، والنمط يتحوّل إلى توقّع ضمني بأنّ ما يحدث سيستمر. المدير الذي يمنح فريقه مكافأة بعد كل مشروع، حتى وإن لم يعلنها سياسة رسمية، يزرع لدى الفريق قناعة بأنّ هذه المكافأة جزء من النظام. وعندما تتوقّف مرّة واحدة، لا تُفسَّر كاستثناء، بل كإخلال بشيء كان يُفترض أن يستمر. |
|
ومع استمرار هذا المسار، يحدث تحوّل أعمق في الإدراك. ينتقل الشعور تدريجياً من اعتبار العطاء فضلاً، إلى كونه أمراً طبيعياً، ثم إلى الإحساس بأنّه حقّ مكتسب. الموظف الذي اعتاد أن يبذل جهداً إضافياً بشكل دائم، يصبح من حيث لا يقصد معياراً لغيره، بل ولتقييم نفسه أيضاً. فإذا قرّر لاحقاً أن يعمل ضمن الحدود الطبيعية، بدا في نظر الآخرين كأنّه تراجع أو قصّر، لا لأنّه فعل أقلّ ممّا يجب، بل لأنّ التوقّعات ارتفعت إلى مستوى غير معلن. |
|
وعندما يتوقّف العطاء، تتجلّى المفارقة بأوضح صورها. لا يُنظر إلى التوقّف كعودة إلى الوضع الأصلي، بل كخسارة. العائلة التي اعتادت دعماً مالياً منتظماً قد لا ترى في انقطاعه نهاية لمبادرة طوعية، بل فقداناً لحقّ اعتادت عليه. وبما أنّ الشعور بالخسارة أقوى نفسياً من الشعور بالمكسب، فإنّ ردّة الفعل تكون غالباً مشحونة بالإحباط أو الإحساس بالظلم، حتى في غياب أي التزام فعلي. |
|
|
لا يتعلّق الأمر بحجم العطاء بقدر ما يتعلّق بنمطه. فالعطاء المنتظم، حين يصبح قابلاً للتوقّع، يفقد قدرته على إحداث الأثر ذاته، لأنّه يتحوّل إلى جزء من المشهد الطبيعي. أمّا العطاء الذي يُقدَّم بشكل مدروس وغير نمطي، فيحتفظ بقيمته الرمزية وتأثيره النفسي لفترة أطول. لذلك، فإنّ الشركات التي تربط المكافآت بإنجازات واضحة ومحدّدة، وتقدّمها بأسلوب غير رتيب، غالباً ما تنجح في الحفاظ على شعور التقدير لدى موظفيها أكثر من تلك التي تعتمد على مزايا ثابتة غير مشروطة. |
|
وتظهر هذه الديناميات بوضوح في مجالات متعدّدة. ففي العمل الخيري، قد يتحوّل الدعم المستمر إلى اعتماد طويل الأمد، ما لم يُصمَّم بطريقة تعزّز الاستقلالية. وفي بيئات العمل، تتحوّل الامتيازات غير الرسمية إلى حقوق غير مكتوبة يصعب التراجع عنها دون كلفة معنوية. أمّا في فرق العمل، فإنّ العطاء الزائد من بعض الأفراد قد يرفع سقف التوقّعات إلى حدّ يجعل الأداء الطبيعي يبدو تقصيراً. |
|
في نهاية المطاف، لا تكمن المشكلة في العطاء ذاته، بل في الطريقة التي يُقدَّم ويُدار بها. فالعطاء، حين يُترك للتكرار العفوي من دون ضبط للتوقّعات، يفقد معناه تدريجياً، ويتحوّل من مصدر امتنان إلى سبب للاستحقاق، ثم إلى نقطة توتّر عند غيابه. أمّا حين يُقدَّم بوعي، ويُصاحبه وضوح في حدوده وسياقه، فإنّه يحتفظ بقيمته، ويظلّ كما بدأ: لفتة ذات أثر حقيقي، لا عبئاً صامتاً. |
|
اعط ولكن حذار ان تحول من تعطيه إلى شخص يشعر بالاستحقاق. |



التعليقات