الذكاء الاصطناعي: مُضاعِف إنتاجية لا مُنتِج من العدم

24 فبراير 2026 بواسطة د. فادي عمروش #العدد 167 عرض في المتصفح
لا تُنتِج الرافعة فيزيائيًّا وزناً جديداً، بل تُعظِّم الأثر الميكانيكي لقوة قائمة.

يحلم الكثير بأن يحل الذكاء الاصطناعي مشاكلهم ويزيد من انتاجيتهم لتعانق عنان السماء، ولكن وبدون مجاملات هو مجرد رافعة لك ولعملك ولانتاجيتك.

لا تُنتِج الرافعة فيزيائيًّا وزناً جديداً، بل تُعظِّم الأثر الميكانيكي لقوة قائمة. وينطبق هذا القياس بدقّة على الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence). فهذه التقنية لا تخلق القيمة من فراغ، بل تُضخِّم ما هو موجود مسبقاً: معرفة متخصّصة، مهارات تشغيلية، عمليات منضبطة، وبنية تنظيمية واضحة.

يمكن التعبير عن هذا المفهوم بنموذج رياضي بسيط:

النتيجة = الأساس × معامل الرفع.

فإذا كان "الأساس" صفراً، ظلَّ الناتج صفراً، مهما بلغ معامل الرفع. فالمؤسسة التي تفتقر إلى بيانات منظَّمة، أو إلى عمليات واضحة، لن تُحوِّل الذكاء الاصطناعي إلى ميزة تنافسية، بل ستُنتج أخطاءً أو ضجيجاً، ولكن بوتيرة أسرع.

وربما يكون الفرق بين مُضاعِف قدره ×2 وآخر ×5 فرقاً في الدرجة لا في النوع. فالتحسين، في الحالتين، يظلّ مرتبطاً بجودة "الأساس". وهذا يعبّر عن غالبية الاستخدامات الحالية للذكاء الاصطناعي في المؤسسات، مثل:

  • تسريع إنتاج المحتوى،
  • تقليص زمن التحليل وإعداد التقارير،
  • أو رفع إنتاجية الموظفين ضمن العملية التشغيلية القائمة.

في هذه السيناريوهات، يعمل الذكاء الاصطناعي كمُسرِّع (Accelerator): يزيد سرعة الدورة التشغيلية، ويقلِّص التكاليف، من دون أن يُغيّر قواعد اللعبة. فالمؤسسة المتوسطة تُصبح أسرع، والممتازة تُصبح أكثر تميُّزاً، أما غير المنضبطة فستُضاعف أخطاءها.

الذكاء الاصطناعي رافعة

الذكاء الاصطناعي رافعة

لكن، متى تتغيّر قواعد اللعبة؟

التحول الأُسِّي: من أداة إلى بُنية

يحدث التحول الحقيقي عندما ينتقل الذكاء الاصطناعي من كونه "أداة" إلى أن يصبح "بنية". حينها لا يكون الأثر مجرّد ضرب، بل يتحوّل إلى نموذج أُسِّي (Exponential Model):

النتيجة = الأساس^n

بصياغة عملية: كل دورة استخدام تُولِّد معرفة جديدة، يُعاد استثمارها في النظام ذاته. في البداية يكون النمو بطيئاً، ثم يتسارع مع تراكم البيانات وتكرار التحسينات.

فعلى سبيل المثال، لا تُؤتمت مهام محدودة فحسب، بل يُعاد بناء سلاسل القيمة بالكامل. ويُصبح الذكاء الاصطناعي مكوِّناً جوهرياً في المنتج أو المنصة، لا مجرّد طبقة تجميلية. ويتحوّل إلى "طبقة تشغيلية" تعيد تعريف توزيع الأدوار البشرية داخل المؤسسة.

في هذه الحالة، لا يتحسّن الأداء داخل النموذج القائم فحسب، بل يُعاد تصميم النموذج نفسه من جذوره. وهنا ينتقل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم إلى بنية تحتية معرفية (Knowledge Infrastructure).

بعبارة أخرى: الضرب يُضخِّم الكفاءة، أما الأُسّ فيُغيِّر المعمارية.

شتان بين الخطي والأسي

شتان بين الخطي والأسي

بين التحسين الخطي والتحوّل الجذري

يستهدف التحسين الخطي تقليص الزمن والتكلفة ضمن نموذج العمل الحالي، بينما يُعيد التحوّل الأُسِّي تعريف كيفية خلق القيمة، وكيفية تسعيرها، ومن يملك القدرة على إنتاجها.

ولذلك، لا يُعدّ التمييز بين النموذجين مسألة نظرية، بل هو سؤال حوكمة واستثمار. فإذا عومل الذكاء الاصطناعي كمشروع تقني لتحسين الإنتاجية، ظلّ أثره خطيّاً. أما إذا جرى تصميمه كبنية نظامية مدمجة في العمليات والمنتجات، وتُعاد تغذيتها بنتائجها، فإن التحول الأُسِّي يُصبح هدفاً قابلاً للتحقّق.

على مستوى الأفراد والمؤسسات

غالباً ما يكون الأثر خطياً على مستوى الأفراد. فمدير يستخدم مساعداً ذكياً لتحليل البيانات قد يُضاعف إنتاجيته، لكنه يظلّ ضمن الدور الوظيفي نفسه، وبحدود السلطة ذاتها.

لكن على مستوى المؤسسة أو المنصة، يمكن أن يتحول الأثر إلى أُسِّي إذا توفرت ثلاثة شروط رئيسة:

  1. اعادة تصميم العمليات
  2. تكامل عميق في العمليات،
  3. وآلية لإعادة استثمار المخرجات بشكل تراكمي

حين تتحقق هذه العناصر، يصبح الذكاء الاصطناعي محرّكاً للتراكم الاستراتيجي، لا مجرّد وسيلة دعم.

دمتم بخير

مشاركة
نشرة خارج الصندوق البريدية

نشرة خارج الصندوق البريدية

نشرة دورية تصدر كلّ يوم سبت، يصدرها د. فادي عمروش تتضمن فكرة خارج الصندوق مع اغناءها بالروابط وما بين الكلمات، لتقول وجدتّها

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة خارج الصندوق البريدية