بين تسليط الضوء والتضليل - الإعلام البنّاء |
بواسطة د. فادي عمروش • #العدد 107 • عرض في المتصفح |
الإعلام البنّاء لا يدّعي الحياد التام، لكنه يسعى إلى تحقيق توازن موضوعي. لا يُبالغ في السوداوية، ولا يجمّل الواقع. بل يُضيء على مكامن الأمل كما يُسلّط الضوء على مكامن الألم، ويدعو الجمهور إلى التفكير والمشاركة، لا مجرد التفاعل اللحظي والانفعال.
|
|
تحياتي |
تشهد ساحة السوشال ميديا بين الفينة والأخرى موجة استنكار واسعة كلّما جرت الإشارة إلى خطأ ما على أنّه مجرّد حادث فردي، وهذا موقف لا خلاف حوله في جوهره فالاحداث الفردية هي احداث لا تتبنى نهجاً مدروساً معتمداً من جهة ما.غير أنّ السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه هو: |
ما وظيفة الإعلام أساساً؟ هل دوره يقتصر على بثّ رسائل مفادها أنّ كلّ شيء على ما يرام؟ |
نعم، يمكن تقبّل ذلك - ربّما- في حال الإعلام الرسمي أو وكالات الأنباء الحكومية، على سبيل التجاوز. |
لكن الإعلام، في جوهره، معنيٌّ بتسليط الضوء على الحوادث الفردية، وإبراز المشكلات بهدف معالجتها، وكذلك إظهار الجوانب الإيجابية كي نستفيد منها ونستلهم منها حلولًا وأفكارًا. |
لعلّ وظيفة الإعلام الأساسية - ولا اتبنى هنا ذلك - هي الاضاءة على المشاكل للتصدي لها، وكما يقول المثل "ليس الخبر أن يقتل الذئبُ الغنمة، بل أن تقتل الغنمةُ الذئب." فالإعلام لا يقتصر على نقل ما هو متوقّع أو معتاد، بل في تسليط الضوء على ما هو نادر أو صادم أو يحمل دلالة غير مألوفة. فمقتل غنمة على يد ذئب أمر طبيعي ومتوقّع، ولا يُثير الانتباه، بينما العكس يلفت النظر ويثير التساؤلات |
فإذا ركّز الإعلام على الحوادث الفردية، لا سيّما السلبية منها، فإنه يسهم في تشكيل صورة مشوّهة ومتَشائمة عن الواقع، وكأنّ الحياة لا تحوي سوى العنف والمآسي. أمّا إذا اكتفى بترويج الصورة الوردية، فهو بذلك يخدع الناس ويتجاهل معاناة حقيقية قائمة في المجتمع. |
![]() الاعلام يختار بقعة لتسليط الضوء عليها |
الإعلام الواعي– في رأيي – هو الذي يتحلّى بالوعي الكافي لتحديد أولوياته، ويطرح على نفسه دوماً السؤال: هل ما أُبرزه الآن يخدم الحقيقة؟ هل يُحرّك وعي الناس؟ أم يكتفي بإثارة مشاعرهم وبيع الإثارة؟ |
هذا التوجه لا يزال في بداياته بالعالم العربي، رغم أن بعض الباحثين بدأوا بدراسته وتطبيقه. من أبرز هذه الجهود ما قدّمه د. حمود المحمود في أطروحته للدكتوراه بعنوان: "الصحافة البناءة للأخبار الاقتصادية في الشرق الأوسط العربي"، حيث قدّم مراجعة نقدية لأداء الإعلام العربي، واقترح نموذجًا عمليًا يركّز على الحلول، بعيدًا عن الإثارة أو التهوين، مع إبراز الأمل دون إخفاء الألم. الإعلام البنّاء لا يدّعي الحياد التام، لكنه يسعى إلى تحقيق توازن موضوعي. لا يُبالغ في السوداوية، ولا يجمّل الواقع. بل يُضيء على مكامن الأمل كما يُسلّط الضوء على مكامن الألم، ويدعو الجمهور إلى التفكير والمشاركة، لا مجرد التفاعل اللحظي والانفعال. |
الإعلام البنّاء لا يقتصر على نقل الحدث، بل يعمل على تحليل أبعاده، والبحث في جذوره، واقتراح أو عرض الحلول الممكنة، مع إشراك الجمهور في النقاش، وتقديم روايات إنسانية متوازنة تبتعد عن التهويل أو التبسيط الساذج. هذا النوع من الإعلام يُسهم في تعزيز الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام، ويُعيد للإعلام دوره كمُحرّك للتنمية والفهم وليس فقط ناقلاً للقلق. |
على سبيل المثال، إذا وقعت حادثة اعتداء في مدرسة، فإن الصحافة التقليدية قد تكتفي بعرض التفاصيل الصادمة أو بلقاءات مع شهود عيان، بينما الإعلام البنّاء سيذهب أبعد من ذلك، فيسأل: ما الأسباب النفسية أو الاجتماعية التي قد تدفع طالبًا لمثل هذا السلوك؟ هل هناك نماذج لمدارس عالجت ظواهر مشابهة بنجاح؟ ما دور الأسرة؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يقي أبناءه؟ بذلك يتحول التقرير إلى أداة لفهم الظاهرة والبحث عن حلول، بدلًا من الاكتفاء بإدانة الحدث وعرضه كمجرد "فاجعة". |
هكذا، يصبح الإعلام البنّاء ليس مجرّد مرآة للواقع، بل وسيلة لفهمه، وتغييره. كما يقول د. المحمود في رسالته: "ليس هدف الصحافة البناءة تقديم صورة مثالية أو وردية، بل بناء سردية متوازنة تضيء على مساحات الأمل كما تسلط الضوء على الألم، وتدفع الجمهور للسؤال والمشاركة لا للانفعال فقط." |
الصحافة اليوم لا تُقاس فقط بسرعة نقل الخبر، بل بقدرتها على فهمه وتفسيره ومساعدة الناس على التعامل معه. وبين التهويل والتبسيط، تبرز الحاجة إلى إعلام يُنير الطريق بدلًا من أن يُزيد العتمة. |
دمتم بنّائين |
التعليقات