السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
مساء سعيد تستقبل فيه حروف هذا العدد الذي كُتبَ خصيصًا لأجلك أنت.
هل يؤرقك سؤال: لماذا لم أعد متحمسًا كما كنت في السابق؟
هل تفكر مليًا في طريقة تستعيد بها حماسك دون انتظار معجزة؟
هل تشعر بأنك قد فقدت الشغف في تحقيق هدفك، وأن ما تعمله الآن هو إنجاز لروتين يومي لا علاقة للشغف به؟
هل تشعر بالصدمة تجاه وضعك الحالي، وعُمق الفجوة بينه وبين حماسك وشغفك يوم كنت في بداية الطريق؟
دعنا نفكر معًا.. نحلل المشكلة ونبحث عن الحل إذن:
لنحدد أولًا ما إذا كان ما تعانيه الآن هو ما نسميه فعلًا بـ "فقدان أو إنطفاء الشغف".
ربما كان شيئًا آخر غير انطفاء الشغف! وإن كان فعلًا انطفاء شغف؛ فلماذا حدث ذلك فجأة؟ وكيف سمحت لنفسك بالتنازل عن أحلامها وطموحها وهدفها الذي كان عشقًا في يوم من الأيام؟
ما هو انطفاء الشغف؟
سأبسّطه لك..
فقدان الشغف هو حالة من الفتور النفسي وفقدان الرغبة والحماس تجاه أمور كانت تشكل أولوية بالنسبة لك، فأصبحت تشعر بفقدان الطاقة للعمل أو الدوافع للاستمرار في ذات الأنشطة والأهداف التي كنت تستمتع بإنجازها ولا تراها عبئًا، وقد تتوقف عن الاستمرار في عملك وتحقيق أهدافك، وقد تستمر لشعورك بأهمية أهدافك لكن دون بالحماس أو الاحتفال بالإنجاز فضلًا عن رؤيته أصلًا.
أحيانًا نفقد الشغف فعلًا، وأحيانًا لا نفقده حقيقة وإنما تُغلّف الحالة عندنا بأعراض لأسباب أخرى تشابهت علينا:
فقد يكون ما تعاني منه إما ملل مؤقت وهذا تكسره بتغيير روتينك المعتاد.
إرهاق ناتج عن عمل مجهد أو سهر أو وعكة صحية.
احتراق نفسي أو وظيفي.
هذه كلها أسباب تتشابه مع فقدان الشغف، ولها حلول أبسط وأسرع، لذلك تحليل الحالة النفسية التي تمر بها أمر مهم جدًا للتأكد من تشخيص حالتك بأنها إنطفاء شغف فعلًا.
أهم أسباب فقدان الشغف (رقم 5 أهمها):
1. السعي وراء نتائج سريعة:
حينما تُخطئ في التقدير وتتوقع نتائج كبيرة وسريعة لكن الواقع يخذلك، فمن الطبيعي أن تشعر بفقدان الحماس وانطفاء الشغف.
وازن بين توقعاتك وخطة سيرك وظروفك ومحيطك كي لا تصطدم بجدران واقعك العنيفة.
2. مقارنة بداياتك مع نهايات الآخرين:
هذا من أهم أسباب انطفاء الشغف! لأنك رأيت نتائجهم فقط فاتّقد لديك الحماس، ولكن الحقيقة المؤلمة هي ما تمر به الآن.. إنك في نفس طريق بداياتهم وقد تكون سنوات من السهر، والعمل والجد حتى تحصل على نفس النتائج وربما أفضل.
لا تقارن.. وكن على ثقة من أن نجاحهم لم يكن وليد الصدفة، بل سبقه سنوات من التفكير والبحث والتخطيط والعمل المستمر.
3. ضبابية الهدف:
وسط الزخم.. تبدأ صورة الهدف الحقيقي والحلم الجميل في الاختفاء والذوبان في كم الأعمال الهائل وتنسى حينها لماذا بدأت؟ وما القيمة التي تسعى لتحقيقها؟
وهنا تبدأ جذوة الشغف في الانطفاء.
احتفظ بصورة هدفك والنتيجة التي تسعى للوصول إليها واضحة في ذهنك.. أو حتى أمام ناظريك في كل مكان لتكون محفزًا لا ينتهي.
4. تعدد الأهداف:
مهما كثرت الأهداف فهناك أهداف رئيسية وأخرى ثانوية، والعمل عليها جميعًا مرهق ومشتت لأنه يوزع تركيزك بين كم الأهداف مما ينتج عنه تقدم بسيط أو ضعيف لكل هدف، وهو ما يتسبب في عدم رؤيتك لإنجازك الحقيقي.
حدد أهدافك الكبرى، وركّز عليها، وجِدْ حلًا للأهداف الثانوية إما بالدمج أو التفويض أو التأجيل أو التخلي إن لزم الأمر.
5. كثرة الملفات المفتوحة:
وقد تحثت عنها في مواقع عدة سواء في نشرتي البريدية أو على منصة إكس. وأرى أنها من أهم أسباب انطفاء الشغف وفقدانه، وإذا كثرت الملفات المفتوحة لدي أُصاب بحالة لا تفسير لها من التوقف عن كل شيء.. حتى يتم إغلاق شيء من أهم هذه الملفات.
وقد تتساءل ما هي الملفات المفتوحة؟
هي بكل بساطة كل عمل لديك في قائمة الانتظار ويستهلك مساحة ذهنية واسعة من تفكيرك ويستنزف طاقتك، ويؤثر على اتخاذ قراراتك: كمشروع مؤجل، و مهام لم تكتمل، أو أي مهمة لا تزال في قائمة الانتظار.
هذه الملفات المفتوحة ترهق العقل، فهي تزاحم التفكير في أي أمر آخر دون الحصول على نتائج واضحة لأنها قد احتلت مساحة ذهنية واسعة.
ولكن في حال أغلقت أهم الملفات المفتوحة وأكبرها فإن العقل سيملك قدرة أكبر للتفكير. ويستعيد نشاطه وحماسه. إبدأ بأهم وأكبر الملفات المفتوحة وأغلقها إغلاقًا يُنهيها تمامًا ولا يجعلها حبيسة غرف عقلك المظلمة لتطل عليه بين فترة وأخرى.
علامات تدل على أن لديك ملفات مفتوحة تستنزفك:
تشعر بالإرهاق بالرغم من أنك لم تنجز شيئًا كبيرًا.
القفز والتنقل المستمر بين عدد من المهام.
صعوبة التركيز على مهمة واحدة لفترة طويلة.
تعمل كثيرًا.. وتنجز قليلًا.
الشعور بالذنب تجاه بعض المشاريع المعلّقة.
لديك قائمة طويلة من: "سأفعل لاحقًا".
كيف تستعيد شغفك؟
1. أغلق ملفًا واحدًا:
ابدأ بأهم وأكبر ملف يشغل تفكيرك ويثنيك عن التقدم. إغلاق هذا الملف سيتيح مساحة ذهنية كبيرة تمكنك من التفكير ورؤية أهم الملفات الأخرى.
بعد الانتهاء من هذا الملف اسأل نفسك: هل يوجد ملف مفتوح آخر يعيقني عن التقدم ويفقدني الشغف؟ إذا كانت الإجابة نعم.. فتعامل معه بنفس الطريقة. وإن لم تكن متأكدًا فانتقل للنقطة التالية.
2. اكتب قائمة بجميع الملفات المفتوحة:
في ورقة اكتب قائمة بأسماء جميع الملفات المفتوحة. تساعدك الأسئلة التالية على تحديدها:
ما الذي يشغل ذهني؟
ما الذي أجّلته منها؟
ما الذي لم أحسمه؟
هذه الأسئلة ستساعدك كثيرًا في تحديد الملفات المفتوحة وطريقة إغلاقها.. وأيضًا ستحدد لك أكثرها أهمية.
أخرج كل الملفات المفتوحة من رأسك إلى الورق، هذا كفيل بإعادة شحن طاقتك واستعادة تركيزك.. ثم فكّر في طريقة إغلاقها.
3. التخلي عن بعض الملفات:
بعض الملفات لا تحتاج إلى عمل.. وإنما حقها التخلي عنها تمامًا، إما لأن اختيارها كان خطأ من الأساس، أو لأنه انتهى وقتها، أو لأي سبب. فلا تتشبث بكل الملفات، فبعضها يحتاج إلى قرار بالتخلي عنها فقط لكي تُغلق.
4. تحديد الهدف الكبير:
وقد تحدثت عنه كثيرًا في مدونتي وفي أعداد من نشرتي البريدية. إن تحديد هدف واحد كبير يقود حياتك هو ما يوقد شغفك ويحفز حماسك بشكل دائم. لأنك ترسم طريقًا واحدًا نحو هدفك المعروف وتمشي نحوه بخطى ثابتة بعيدًا عن التشتت.
يمكنك أن تسأل نفسك هذا السؤال:
"ما الهدف الكبير الذي يستحق طاقتي خلال الأسابيع - الشهور - السنين القادمة؟"
5. احتفل بإنجازاتك الصغيرة:
ما يطفئ شغفك هو أنك لا ترى إنجازاتك الصغيرة! هل تعلم ما الذي يجعلني أستمر في كتابة أعداد عـمـــق على مدى 3 سنوات مهما كانت قسوة الظروف والمشاعر؟ هو أنني أرى أن كل عدد يُنشر هو إنجاز صغير ينضم لمكتبة إنجازاتي.
كيف تحافظ على شغفك أن لا ينطفئ؟
بالاستمرار في هدفك. الشغف ليس جمال البدايات فحسب، بل هو ليل الأفكار، ودموع الأرواح، وسهر القلوب، ووعورة الطريق، والْتماس الفجر في جوف الليالي العاصفة.
ليكن شغفك نتيجة لحركتك البسيطة المستمرة، واجعل تقدمك البسيط المستمر هو جذوة حماسك وشعلة شغفك التي تنير لك الطريق وتدفعك نحو خط النهاية دفعًا.
في ختام هذا العدد الطويل.. أهمس لك
ربما لم ينطفئ شغفك.. وإنما امتلأ عقلك بملفات تحتاج منك أن تغلقها فقط.
والآن.. لنبدأ الحلول الفعلية معًا:
لو استطعت أن تغلق ملفًا واحدًا فقط هذا الأسبوع.. فما هو؟
ابدأ به الآن..
أسعد بإثراءاتكم عن هذا الموضوع في التعليقات.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التعليقات