
مرحبًا،
« دكتور، إحنا أكثر من شريكات… إحنا خوات».
|
من سنتين ، جلسوا أمامي 5 بنات ( سيدات ) يرغبون في تأسيس مشروع مشترك.
و كانت لغة الجسد بينهم مريحة جدا، والمودة واضحة، وكانوا يرددن بثقة: احنا اكثر من خواتن.
.
ابتسمت.
فالمودة أساس جميل لأي شراكة، لكنني بحكم عملي، وربما بحكم خلفيتي الهندسية أيضًا، كنت أبحث عن «الخرسانة» التي ستحمل هذا المشروع، لا عن جمال طلائه الخارجي.
.
عطيت كل وحدة منهم ورقة فارغة وقلم، وطلبت منهم شي واحد:
«أريد من كل واحدة أن تكتب بمفردها: ما واجباتك ومسؤولياتك وصلاحياتك في هذا المشروع؟ وما الذي تتوقعينه من بقية الشريكات؟ بشرط ألا تطّلع أي واحدة على إجابات الأخريات».
.
لما جمعت الأوراق وقرأتها، وجدت أمامي مفاجأة تستحق التوقف.
5 أوراق… ب5 تصورات و ب5 توقعات مختلفة تماما!!!
كانوا متفقات على المحبة، لكنهم مختلفين في فهم الأدوار والمسؤوليات وأسس العمل.
.
قلت لهم بكل صراحة: - تبون الصج ؟ -
«اخاف على هالمحبه من هذا المشروع. لان عدم وضوح المسؤوليات والصلاحيات يحول المودة يوما ما إلى خلافات ومحاكم نحن في غنى عنها».
وبالفعل، بعد أن جلسوا وتكلموا بصراحة، و وضعت كل وحده توقعاتها أمام الاخر، قرروا الافتراق بسلام.
أحيانًا، يكون إنهاء شراكة قبل أن تبدأ، أنضج قرار استثماري يمكن اتخاذه.
.
لكن…
كانت في بنت ( سيدة ) من بينهنم اسمها «دعاء».
وهنا تبدأ الحكاية التي أريد مشاركتها معكم اليوم.
.
بنت لها أكثر مما يكفي من المسؤوليات
دعاء متخصصة في المجال النفسي، تحمل درجة الماجستير، وكانت تعمل في وظيفة حكومية تتطلب منها الكثير.
وخلف هذه الوظيفة، حياة مزدحمة بالمسؤوليات الأسرية، وظروف صحية صعبة مر بها أشخاص أعزاء عليها.
في عملها، كانت أشبه بعصب الإدارة. تبادر، وتتحمل المسؤولية، وتحاول تحريك ما توقف.
لكن عندما حان وقت الترقيات، تم تجاوزها رغم ضآلة الفارق.
ومع ذلك، استمرت في العطاء.
.
لا أذكر سمعت قط دعاء تتذمر من ظروفها.
كانت كثيرة الحمد والشكر، ولديها رغبة واضحة في التعلم والعمل والاستمرار.
.
لكن هذا لا يعني أنها لم تتعب.
كنت ألاحظ اثر الإرهاق على صحتها، حتى إنها مرت بفترة استدعت دخول المستشفى.
وهنا لا بد من التوقف عند حقيقة مهمة:
الإصرار لا يجعل الإنسان محصنًا من الإنهاك، والنجاح المهني لا يستحق أن نخسر صحتنا من أجله.
ومع ذلك، فإن أكثر ما لفتني في دعاء لم يكن قدرتها على التحمل، بل استعدادها للتعلم، وحرصها على الالتزام بما تتعلمه.
.
سنتين على نار هادية 🔥
بعد انتهاء الشراكة، بدأنا العمل على تأسيس مشروعها الخاص.
لكننا لم نبدأ بالأسئلة التي يتعجل كثيرون الإجابة عنها:
بدأنا بأسئلة أعمق، لأنها تحدد ما الذي سنبنيه أصلًا.
١- أين تقفين اليوم مهنيًا وماليًا واجتماعيًا ومعنويًا؟
٢- وإلى أين تريدين الوصول؟
٣- من العميل الذي تريدين خدمته فعلًا؟
٤- ما احتياجاته، وما القيمة التي تستطيعين تقديمها له؟
٥- وكيف تبدأ رحلة هذا العميل معك، والأهم: بماذا تنتهي؟
.
استعملنا مخطط «زاوية» لبناء وإدارة العمل، المكوّن من 15 خانة، إلى جانب أوراق عمل تساعد على ترتيب الأفكار، وتحديد الأهداف، وتوزيع الخطوات على جدول زمني واضح.
والأجمل أن دعاء لم تتعامل مع هذه الأوراق باعتبارها «واجب مدرسة» تحله ثم تنساه.
حتى اليوم، وبعد مرور نحو سنتين، لا تزال تعود إلى أوراق العمل والمخطط، وتستخدمهما في إدارة مشروعها ومراجعة خطواتها.
أمضت ما لا يقل عن ٦ أشهر في دراسة شريحتها المستهدفة وفهم احتياجاتها، قبل أن تتوسع في خطواتها التسويقية والتشغيلية.
كانت تقدم مقاطع تثقيفية، وتتواصل مع الناس، وتبني العلاقات، وتتعلم كيف تجعل خبرتها مفهومة ونافعة لمن يحتاجها.
.
لم يكن همها تصوير أكبر عدد من الفيديوهات، أو اللحاق بكل اتجاه رائج.
كانت تعرف تدريجيا لمن تتحدث، ولماذا، وماذا تريد أن تقدم.
ومع اتضاح الاتجاه، بدأت الخطوات التالية:
التراخيص، واستئجار المكتب، وتكوين الفريق، ثم تطوير الخدمات.
كل خطوة في وقتها، وكل قرار له غاية.
.
وكنت أتابع هذه الرحلة التي أحب أن أسميها:
«الطبخ على نار هادية».
فبعض الأشياء تحتاج إلى وقت حتى تنضج.
وخلال هذه السنتين، لم يكن المشروع وحده هو الذي يتغير.
.
دعاء نفسها تغيرت.
لاحظت الفرق في ثقتها بقراراتها، وطريقة حديثها عن عملها، ووضوح الرسالة التي توجهها إلى جمهورها.
لم تعد مجرد صاحبة خبرة تحاول أن تجد مكانًا لها في السوق، بل أصبحت أكثر وضوحًا في معرفة ما تقدم، ولمن، وكيف تريد أن تطور عملها.
وهذا التحول، بالنسبة لي، لا يقل أهمية عن أي إنجاز مالي أو مهني.
.
ثم بدأت الثمار تظهر وتم قطافها
قبل أيام، اتصلت بي دعاء لتبشرني بخبر مهم.
أخبرتني أنها استقالت من عملها الحكومي.
كنت قد نصحتها بالسابق بالتريث. فالاستقالة ليست قرار سهل، خصوصا لما تكون التزامات ومسؤوليات عائلية ومالية.
لكن دعاء لم تقفز إلى المجهول بدافع الإحباط أو الحماس.
كانت قد سددت ديونها، وأسست مركزها الخاص، ووسّعت خدماته لتشمل التدريب والاستشارات، وأصبحت تدير عملًا قائمًا بالفعل.
وفي الوقت نفسه، فُتحت أمامها فرصة مهنية مرموقة للإشراف على تطوير برامج جامعية في إحدى الجهات الكبرى، إلى جانب استمرار مشروعها.
.
لم تصبح حياتها خالية من المشكلات، ولم تنتهِ مسؤولياتها.
لكنها أصبحت تمتلك خيارات مهنية أوسع، وقدرة أكبر على اختيار الاتجاه الذي يناسبها.
وهنا أرى فرقًا يستحق التأمل.
قبل سنتين، كانت تحاول بناء فرصة لنفسها. واليوم، أصبحت أمامها فرص تستطيع المفاضلة بينها.
وفي حديثنا، وكعادتها، كانت تردد امتنانها لله، وتشير إلى التوجيهات وأوراق العمل والمخطط الذي ساعدها على ترتيب مشروعها.
فقلت لها بكل اعتزاز:
«أنت مفخرة تعبي كله».
.
ليس لأنها نفذت ما اقترحته عليها فحسب، بل لأنها أخذت المعرفة وحولتها إلى عمل، واستمرت في التعلم والمراجعة والتنفيذ.
فالمستشار يستطيع أن يساعدك على رؤية الطريق، لكنه لا يستطيع أن يسير فيه بدلًا منك.
.
ما الذي نتعلمه من دعاء؟
في دنيا العمل الحر والمشاريع الصغيرة، نكثر من الحديث عن «الإصرار»، حتى يبدو لنا مصباح سحري لكل شيء.
لكنا ننسى أن هناك فرق دقيق بين الإصرار والعناد.
دعاء أصرت على غايتها: بناء عمل مستقل قائم على خبرتها.
لكنها لم تتمسك بشراكة لم تتضح فيها الأدوار.
ولم تستعجل التوسع قبل أن تعرف شريحتها المستهدفة.
ولم تجعل خيبة الترقية نهاية طموحها المهني.
كانت مستعدة لتغيير الطريقة، دون أن تفقد الغاية.
.
وهذا، في رأيي، أحد أهم الدروس التي تقدمها تجربتها:
قد تحتاج إلى الصبر على غايتك، لا إلى الصبر على كل طريقة اخترتها للوصول إليها.
.
ليس كل استمرار حكمة، وليس كل تغيير تراجعًا.
أحيانًا تكون الخطوة الأذكى أن نراجع ما نفعل، ونتخلى عما لم يعد مناسبًا، ثم نواصل العمل باتجاه أوضح.
وقصة دعاء تذكرني أيضًا بشيء آخر:
نحن نرى نجاحات الآخرين عندما تصبح ظاهرة للعيان.
نرى المكتب، والمنصب، والمشروع، والإنجازات.
.
لكننا لا نرى دائمًا السنوات التي سبقتها، والأسئلة التي احتاجوا إلى الإجابة عنها، والقرارات التي راجعوها، والأيام العادية التي واصلوا فيها العمل دون نتائج لافتة.
ولهذا، إذا كنت تشعر اليوم أن ما تبذله من جهد أكبر بكثير مما تحصده من نتائج، فلا تتعجل مقارنة رحلتك بما تراه من نهايات رحلات الآخرين.
.
قبل أن تبحث عن بداية جديدة، انظر إلى ما بدأته بالفعل.
ربما يحتاج إلى بعض الوقت.
وربما يحتاج إلى خطة أفضل.
وربما يحتاج إلى أن تتوقف قليلًا، لترتاح وتراجع، ثم تعود بوضوح أكبر.
ليس كل ما ينضج ببطء… متأخرًا.
.
سؤال هذا الأسبوع
ما الذي يحتاجه مشروعك في هذه المرحلة؟
◯ وقت أكثر حتى تظهر نتائج ما بدأته.
◯ تغيير بعض الخطوات التي لا تحقق نتيجة.
◯ وضوح أكبر في الهدف والاتجاه.
◯ فترة راحة ومراجعة قبل الاستمرار.
اختر الإجابة الأقرب إلى واقعك، وليس تلك التي تعتقد أنها الإجابة الصحيحة.
.
دمتم بود 🌷
هلال
( بحال تود استلام قصص نجاح أخرى اضغط علي علامه الإعجاب 💟 )
.
سؤال أخير قبل أن تذهب:
.
من الذي تتمنى أن تناقش معه فكرة " الإصرار " لتشكره ؟
أرسل له الرسالة،
واسأله السؤال الذي ربما لم تسأله من قبل. هل كان يراك إنسان ذو اصرار ؟ ام لا؟
.
أجبني (أو شاركني نتيجتك في الاستبيان).
أرسلها لاحدهم يحتاج يستلهم من اصرار غيره.
اشترك إن وصلتك من صديق يحب لك الخير
.
ملاحظة: اسم صاحبة القصة وبعض التفاصيل التعريفية معدله حفاظا على الخصوصية.
التعليقات