نشرة "فن الكتابة" - يعدها د. ساجد العبدلي - العدد #23 - كيف تنتقل بين المقاطع دون أن يشعر القارئ بالانقطاع؟

14 يناير 2026 بواسطة ساجد العبدلي (طبيب، وكاتب، وناشر) #العدد 23 عرض في المتصفح
قد تكون المقاطع النصية متقنة كلٌّ على حدة، ومع ذلك يشعر القارئ أن النص متقطع.لا مشكلة في الأفكار، ولا في اللغة، بل في ما أسميه المسافة غير المرئية بين مقطع وآخر.الانتقال ليس جملة إضافية نضعها بين فقرتين، بل هو إحساس بالمسار.في هذا العدد، نقترب من هذه المهارة الدقيقة التي تشترك فيها المقالات والكتب والروايات: كيف نغادر مقطعًا ونصل إلى الذي يليه دون أن ينقطع خيط القراءة.

يبلغ الكمال لا حين لا يبقى ما يُضاف، بل حين لا يبقى ما يُحذف.

— أنطوان دو سانت-إكزوبيري

النص هو حركة مستمرة وليس مجموعة مقاطع متجاورة. والقارئ لا يقرأ الفقرة منفصلة، ولا المقطع وحده، بل يقرأ ما بينهما أيضًا. وهذه المسافة هي المكان الذي يضعف فيه كثير من النصوص.

الانتقال الجيد لا يعني أن تشرح للقارئ أنك تنتقل. لا يحتاج القارئ إلى لافتة تقول: الآن سننتقل إلى فكرة أخرى.

كل ما يحتاجه هو أن يشعر أن ما يأتي امتداد طبيعي لما سبق، حتى لو اختلف الموضوع أو النبرة.

أضعف الانتقالات هي تلك التي تحاول أن تكون ذكية. على هيئة جملة لامعة، أو سؤال كبير، أو تعميم واسع.

هذه الجمل تشبه قفزة مفاجئة أكثر من كونها خطوة محسوبة.

بينما الانتقال المتين يعتمد على أمر واحد: أن يكون المقطع التالي نابعًا مما قبله، لا ملصقًا به.

قد يكون نابعًا من فكرة لم تُستكمل، أو من سؤال بقي مفتوحًا، أو من أثر لم يُغلق بعد.

في المقال، يكون الانتقال غالبًا عبر تعميق الفكرة أو تغيير زاوية النظر إليها. وفي الكتاب، يكون عبر توسيع الدائرة أو تضييقها. بينما في الرواية، يكون عبر الحركة: فعل، أو قرار، أو تغيّر في الحالة.

القاعدة واحدة، مهما اختلف الشكل: لا تنتقل قبل أن تترك أثرًا، ولا تبقَ بعد أن يكتمل.

من العلامات العملية على انتقال ضعيف أن تشعر بالحاجة إلى جملة تفسيرية في بدايته. إذا احتاج المقطع الجديد إلى شرح سبب وجوده، فغالبًا أن المقطع السابق لم يُغلق بطريقة صحيحة.

كلما راجعت نصًا وشعرت أن هناك قفزًا غير مريح، أعود خطوة إلى الوراء. لا أُصلح المقطع الجديد، بل أنظر إلى نهاية المقطع السابق. غالبًا أجد أن النهاية لم تفتح الباب، فاضطررت إلى كسره.

الانتقال الجيد يشبه فتح نافذة لا دفع جدار، حيث يدخل القارئ دون أن يشعر بالجهد، ويواصل القراءة لأنه لم يُطرد خارج الإيقاع.

النص المتماسك لا يُقاس بجمال مقاطعه، بل بقدرتها على السير معًا بسلاسة.

🧠 تمرين هذا الأسبوع:

اختر نصًا كتبته سابقًا.

حدّد نقطتين متتاليتين شعرت عند قراءتهما بشيء من التقطّع.

احذف أول جملة من المقطع الثاني، ثم أعد قراءة الانتقال.

إن تحسّن الإيقاع، فأنت تعرف الآن أن المشكلة كانت في طريقة الدخول، لا في الفكرة نفسها.

د. ساجد العبدلي1 أعجبهم العدد
مشاركة
نشرة "فن الكتابة" - يعدها د. ساجد العبدلي

نشرة "فن الكتابة" - يعدها د. ساجد العبدلي

نشرتك الدورية عن فن الكتابة والتأليف والنشر هل تحلم أن تصبح كاتبًا محترفًا؟ أو تطمح لنشر كتابك الأول باحتراف؟ اشترك في هذه النشرة البريدية لتصلك دوريا خلاصة خبرات عملية، وأفكار ملهمة، وأدوات مجربة تساعدك على تطوير مهاراتك في الكتابة، والتحرير، والنشر الورقي والرقمي. كل رسالة ستمنحك دفعة جديدة على طريق التأليف.

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة "فن الكتابة" - يعدها د. ساجد العبدلي