نشرة "فن الكتابة" - العدد #25 - الكتابة من الداخل مقابل الكتابة من الخارج!

9 فبراير 2026 بواسطة ساجد العبدلي (طبيب، وكاتب، وناشر) #العدد 25 عرض في المتصفح

في مراحل مختلفة من الكتابة، يراود الكاتب شعور غامض بأن النص «يعمل»، دون أن يعرف لماذا.الجمل متماسكة، الفقرات واضحة، الفكرة قابلة للفهم. ومع ذلك، هناك شيء ناقص لا يمكن تسميته بسهولة. النص صحيح من الخارج، لكنه فارغ من الداخل.
هذا الإحساس لا يرتبط بجودة اللغة، ولا بسلامة البناء. يرتبط بمكان أعمق: من أين جاء النص أصلًا؟
في أحد مقالاته المتأخرة، يتوقف جورج أورويل عند فكرة أن بعض النصوص تُكتب بدافع داخلي لا يمكن تأجيله، بينما تُكتب نصوص أخرى استجابة لتوقع، ظرف، أو طلب غير معلن. الفارق بين النوعين لا يظهر دائمًا في الشكل، لكنه يظهر بوضوح في الأثر. القارئ قد لا يعرف السبب، لكنه يشعر به.
الكتابة من الداخل تبدأ غالبًا من توتر شخصي،سؤال غير مكتمل،حاجة لفهم شيء لم يستقر بعد.
لا تكون الفكرة جاهزة تمامًا، ولا الموقف محسومًا. النص هنا محاولة للفهم قبل أن يكون وسيلة للتوصيل.
أما الكتابة من الخارج، فغالبًا ما تبدأ من فكرة مكتملة سلفًا:موضوع مطلوب،زاوية متوقعة،نبرة مألوفة.
الكاتب يعرف ما يريد قوله قبل أن يكتب، ويعرف تقريبًا كيف سيُنهي النص قبل أن يبدأ.
في كتابها «حياة الكتابة»، تلمّح آني ديلارد إلى هذا الفرق دون أن تسميه صراحة. تتحدث عن الكتابة التي تُشبه السير في غرفة مظلمة، حيث لا ترى سوى الخطوة التالية، مقابل الكتابة التي تُشبه تنفيذ مخطط مرسوم مسبقًا.الأولى بطيئة، مترددة، مليئة بالتوقف والحذف.الثانية أسرع، وأنظف، وأكثر طمأنينة.لكنها ليست بالضرورة أصدق.
اللافت أن الكتابة من الخارج ليست خطأ. كثير من النصوص الجيدة تُكتب بهذه الطريقة، خاصة في المقالات التفسيرية أو المهنية. الإشكال يبدأ حين يختلط الأمر على الكاتب، فيظن أنه يكتب من الداخل، بينما هو في الحقيقة يكتب استجابة لصورة متخيلة عن القارئ، أو لما «ينبغي» أن يُقال.
عند هذه النقطة، تظهر أعراض مألوفة:شرح زائد،جمل تبريرية،حرص مفرط على الإقناع،خوف خفي من الصمت داخل النص.
كأن الكاتب لا يثق بأن الفكرة ستقف وحدها.
مع الوقت، يكتشف الكاتب أن بعض نصوصه القديمة، رغم بساطتها وربما ارتباكها، ما زالت حيّة. في المقابل، تبدو نصوص أخرى، أكثر انضباطًا من حيث الشكل، باردة بعد فترة قصيرة. الفارق غالبًا ليس في المهارة، بل في مصدر الكتابة.
الكتابة من الداخل لا تعني الاعتراف، ولا البوح، ولا أن يكون النص شخصيًا بالضرورة. تعني فقط أن الكاتب كان حاضرًا بالكامل أثناء الكتابة، غير مشغول برد الفعل، ولا بتوقع الاستقبال.
والكتابة من الخارج لا تعني الزيف. تعني أن النص كُتب وفي ذهن صاحبه صورة مسبقة عن نتيجته.
ربما لا يمكن للكاتب أن يكتب دائمًا من الداخل. وربما لا ينبغي له ذلك. لكن الوعي بالفارق وحده يغيّر الكثير. يجعل الكاتب أكثر صدقًا مع نفسه، أكثر دقة في اختياراته.
في النهاية، لا يسأل القارئ:هل هذا النص مكتوب من الداخل أم من الخارج؟
لكنه يشعر بالفرق.وغالبًا، هذا الشعور هو ما يبقى.

مشاركة
نشرة "فن الكتابة" - يعدها د. ساجد العبدلي

نشرة "فن الكتابة" - يعدها د. ساجد العبدلي

نشرتك الدورية عن فن الكتابة والتأليف والنشر هل تحلم أن تصبح كاتبًا محترفًا؟ أو تطمح لنشر كتابك الأول باحتراف؟ اشترك في هذه النشرة البريدية لتصلك دوريا خلاصة خبرات عملية، وأفكار ملهمة، وأدوات مجربة تساعدك على تطوير مهاراتك في الكتابة، والتحرير، والنشر الورقي والرقمي. كل رسالة ستمنحك دفعة جديدة على طريق التأليف.

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة "فن الكتابة" - يعدها د. ساجد العبدلي