رمضان يعيد صياغة حياتنا

17 مارس 2026 بواسطة فؤاد العمري #العدد 11 عرض في المتصفح

 

مع عودة هذا الشهر العظيم كل عام، لا بد لنا أن نستوضح أثره في الوعي والسلوك الاجتماعي العام، مقابل ما فهمناه جلياً من أثره على المستوى الوجداني الفردي.

فقد جعل الله فيه كل سنة من التحولات الكونية، والاحتفالات الروحية ما لم يجعله في أي شهر آخر، من تفتيح أبواب الجنان، وغلق أبواب النيران، وتصفيد الشياطين، ونداء الملائكة في السماء كل يوم، وعلامات ليلة القدر..، ومن ثمّ جعله الله مَعْلمة تعبدية من أكبر معالم الإسلام.

ونلتمس حكمة تشريعه التي فيها تغيير وجه الحياة؛ فيما قرره علماء حكمة التشريع، أن من ضروريات الدين أن هناك أوقاتاً يحدث فيها شيء من انتشار الروحانية في الأرض، وسريان قوة مثالية فيها، وأنه ليست في الأرض ملة إلا وهي تعلم أن هذه الأوقات أقرب شيء من قبول الطاعات، كما أن سياسة الأمة لا تتم إلا بأن يؤمر بتعهد النفس بعد كل برهة من الزمان.

إذن هذا الشهر بما فيه من اجتماع أمهات العبادات ما لم تجتمع في غيره كما أشار أئمة الإسلام، من صلوات وقيام وتدبر للقران، هو دورة روحية كبرى تغذي النفس وتزكيها، وتزودها بما يحتاجه المؤمن في سيره إلى الله السنة كلها: "..ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن..".

وهذا شأن رمضان في حياة المسلمين على مدى القرون، غير أن دوره في إعادة التنظيم الشامل لحياة المسلمين في هذا العصر تتجاوز كل العصور السابقة، نظراً للتغير الجذري وبعيد المدى الذي طال عالمنا، نحو لادينية وعلمنة التصورات والسلوك في الوعي الجمعي والفردي، والميل نحو فراغ الروح وفقدان المعنى في عموم الواقع المعاش.

 

فنظام الحياة الحديث بطبيعته يعيد تشكيل أنماط حياة الإنسان، وصياغة نظام قيمه الخاصة والعامة، فحين يولد ويموت في هذا النظام يبدو مسكوناً في أعماقه بأخلاق تعظيم الربح، وتحسين النجاعة أكثر من أي شيء آخر.

فمن خلال عالم الوسائل والأدوات، وقدرتها الفائقة على توجيه الأفكار ومسالك الحياة، بطريقة تلتهم كل مساحات الوعي الإنساني؛ نجد الإنسان في عالمه الحديث متنكب بطبيعة حياته عن كل ما هو مقدس ومتعال، ومنغمس حتى النخاع في عالمه الدنيوي المحايث، وربما يصبح لا يرى في الوعود الغيبية سوى شاغل له عن شروط النجاح في هذا العالم.

فدهرنة (دنيوية) البنى الاجتماعية والاقتصادية جعلت واقع الإنسان بالغ العلمنة، ولا مكان فيه للأديان والمعاني الكبرى، فالأزمنة الحديثة تعمل على تغييب الدين بشكل منهجي في مختلف مناحي المجتمع ومؤسساته الحيوية، أي تغييب ما تبقى من ظل الإله من هذا العالم.

تجاه هذا التحول الكوني في نظام حياة الإنسان، الذي لا يكاد ينجو منه أحد، يأتي هذا الشهر بأنموذج نظام اجتماعي/ثقافي مغاير، يصلح لأن يكون أيقونة تدفع بتنظيم الحياة في دورة كل عام.

فمن خلال الكثافة والتكامل الذي تصنعه العبادات اليومية خلال الشهر، فإنها تدفع بمستويات مختلفة من التأثير، تطال كيان الإنسان من أعمق إدراكاته وتصوراته إلى وجدانه وسلوكه، ويتعدى ذلك إلى نظام الحياة الإنسانية في بعديها الثقافي والاجتماعي. 

يعمل هذا التغيير على شكل دورة زمنية مكثفة، تهدف للصقل والتعويد الذي يطبع السلوك ويصبح حالة مستمرة، فالإنسان إذا أراد أن يحصِّل خلقاً من الأخلاق، وتنصبغ به نفسه، ويحيط بها من جميع جوانبها، فحيلة ذلك أن يؤاخذ نفسه بما يناسب ذلك الخلق من فعل وهيئات، ويعمد إلى تمرين النفس تمرين الدابة الصعبة، لتحصل الألفة بالمداومة، ويسهل بسببها العمل.

فالصلاة رباط متين بين الإنسان وخالقه، وترويض للنفس على الطاعة، وللقلب على الخشوع، كما أنها سلوك يومي يدمج حياة الإنسان بالروحانية، حيث تعمل فترات الصلاة الموزعة على الليل والنهار بنظام يكسر حلم النسيان، الذي يعيشه الإنسان بانغماسه في الدنيا لاهياً عن الله، لكن الصلاة تقطع ذلك، وتنتشل الإنسان للحظات من تيار الأفكار ومدخلات الحواس التي تصنع عالمنا ليقف في حضرة الرب.

والصيام بما فيه من حرمان تعبدي يحرر الذات من عادة الترف والتنعم، والتدريب على قيادة النفس وضبطها، والانطلاق من غلق منافذ الحس الجسماني إلى فتح مسالك الروح، فهو طريق لكبح الانفعالات الحيوانية التي تؤججها الحياة المعاصرة، فالإنسان لا يدرك طبيعته الأسمى إلا بالزهد في ميوله الحيوانية، وإخماد حواسه عن دنس الشهوات التي تثلمها، إنه رحيل من مواطن الطين إلى منازل اليقين، وله درجة تسمو به بين الطاعات، في كونه يضيف نطاقاً جديداً للتقوى بالاستغناء عما هو في العادة من مقومات الحياة، والكف عن بعض الحلال والمباح، فإذا كانت الطاعات الأخرى تورث أوائل درجات التقوى، بالاعتدال والاستقامة، فإن الصيام يورث نهاية درجاتها، بالزهد والورع.

وأما الزكاة والصدقة فهما ضريبة مقدسة، يتنازل بها المسلم طوعاً ومحبة لإخوانه الفقراء.

ثم تأتي التلاوة المستمرة للقران، حيث نوّه الله بهذه الصلة الوثيقة بين رمضان والقران، وجعله أولى وأخص مناقبه ومزاياه: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القران.."، فيعظم أثره بما يحوي من محددات الأخلاق والشرائع التي تتعلق بكل تفاصيل حياة الإنسان، وكذلك ربطه بعالم الآخرة الذي يتعلق بمصيره في الحياة الأخرى، عدا تفسيره الحاسم للحياة الإنسانية ومغزاها وغايتها النهائية، فبه تعرف الأمة معنى وجودها، وحقيقة مصيرها، وطبيعة وظيفتها، فلا تضل طريقها إلى سعادتها. 

والأهم في خطابه؛ هو مركزية الحديث عن "المعاد"، لتظهر الأهمية العظيمة للإيمان بالعالم الآخر، ليس فقط من أجل ما بعد الموت بل أيضاً من أجل حياته في هذه الدنيا، فهو يلوح في صورة حقيقة حيّة وملموسة وأساسية في حياة المسلمين الأتقياء.

وكل العبادات الرمضانية تدفع النفس لاستشعار ما بعد الحياة، والخوف من الآخرة، والنظر للأمور بمنظار أخروي، والتفكير في الآخرة بأهمية تعلو على متع الدنيا، وأن الحياة هي مضمار للتعبير بالأعمال عن طاعة الله، وأن غاية إصلاح الذات هو التحرر من الارتباط الفاسد بالدنيا.

إنها تشكل في الجملة تعاليم وممارسات تبني اتساق حياة الإنسان في الدنيا وسعادته في الآخرة، بحيث تصنع طريقة حياة تضفي عبقاً دينياً على الحياة اليومية، وتمكن المسلم من الاندماج في مركز روحي.

وحينما يصحّ أثرها، فإنها تمثل المقطع الزمني المصغّر، الذي يعبر فيه إسلام الفرد عن الحياة وفق إرادة الله، فهو الحياة نفسها وكلها وليس جزءاً منها، فأعمال التعبد هذه تتميز بالكلية وحسن الاستيعاب، فتحيط بكل حياة الإنسان حتى لا يخرج شيء عنها، يشمل ذلك  أفكار الإنسان وأعماله، ليتجلى فيه مجتمع الهداية بالإيمان الذي يعيش به عقله وقلبه.

مشاركة
نشرة فؤاد العمري البريدية

نشرة فؤاد العمري البريدية

مدونة جعلتها مصبّاً لأوشال أفكاري وقراءاتي المنتظمة في شؤون الاجتماع والثقافة وما يتصل بها

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة فؤاد العمري البريدية