|
|
|
غالية الجهني
|
|
|
|
|
|
إحدى صديقات المرجع، التي تنشر كتاباتها ضمن دائرة ضيقة من المقربين وتحجم عن النشر في العام، شاركتنا نصاً لها وكان جميلاً جداً. مما أثار فضولي حول جذور الخوف من النشر وجعلني أختاره موضوعاً لهذا العدد.
|
|
|
كل مقال قمت بكتابته، انتابني التردد قبل نشره وشعورٌ بارتلبي بأني أفضًل ألا أفعل، لكني مدفوعةً بالجهد الذي بذلته في الكتابة، أذكّر نفسي أن مقالاً جيداً يستفيد منه ولو قارئ واحد، أحسن بلا شك من مقال ممتاز لا يراه أحد.
|
|
|
هناك أسباب كثيرة تدفع الكاتب إلى تكديس نصوصه في درج مكتبه أو ملفات جهازه الإلكتروني.
|
|
الخوف من ردود فعل سلبية قد تتضمن النقد الجارح، الرفض أو التهميش… إلخ. الخوف من سوء الفهم، ألا نؤخذ بجدية أو أن نؤخذ بجدية أكثر من اللازم. السعي إلى الكمال؛ وبهذا يبقى النص مسودةً إلى الأبد. ضعف الثقة بالنفس أو بأهمية النص وجدواه للقارئ. الإحباط من دور النشر جراء تجربة شخصية أو من تجارب الآخرين. عدم الثقة بالوسط الثقافي. حرية التجربة الفردية. الخوف من وصمة الكتابة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
|
|
|
هذا ما يرد على بالي وبالتأكيد توجد أسباب أخرى حسب تجربة كل شخص ومخاوفه. أياً كان السبب الذي يجعلك تحتفظ بما تكتبه لنفسك فلا بأس في ذلك. حرصك طبيعي ومشروع ونحن جميعاً لدينا حساسيات مختلفة تتعلق بنظرة الآخر والمجتمع. بعض الأدباء أشهر من نار على علم ومع ذلك نجدهم احتفظوا بجزء من كتاباتهم بعيداً عن الأنظار (كافكا مثلاً) لولا اقتحام أحد معارفهم لهذه الخصوصية بعد وفاتهم والقيام بنشرها.
|
|
|
الناظر إلى الأسباب السابقة يلاحظ أنها منطقية جداً. إن مجرد توقع الرفض مؤلم لدرجة الشعور به في أجسادنا، إذ أظهرت الأبحاث العلمية أن الرفض الإجتماعي مرتبط بنشاط مناطق في الدماغ تشارك في معالجة الألم الجسدي.
|
|
|
أضافت تطبيقات الذكاء الاصطناعي طبقة قلق جديدة إلى تجربة الكاتب. وجدت مقالاً ملفتاً بعنوان (حرب الكلمات: كيف يولّد الذكاء الاصطناعي القلق والخوف والشك بين الكتّاب)، يتناول خوف المؤلفين من الاشتباه في استعانتهم بالذكاء الاصطناعي، ويورد مثالاً على ذلك كيف بدأ أحدهم في اختيار صياغة ركيكة كي لا يظن الآخرون أنه كتبها بالذكاء الاصطناعي. «هذا جنون! أنا أجعل عملي أسوأ لأثبت أنه عملي أنا». شخصياً توقفت عن استعمال كلمتي (ليس - بل) لنفس السبب. جنون فعلاً أن نقدم تنازلات لصالح آلة.
|
|
|
|
|
|
الإعلان عن نفسك ككاتب مخاطرة حقيقية. لكن عليك أن تسأل نفسك ما الذي تخشاه أكثر: أن تبدأ حياتك المهنية في الكتابة أم ألا تبدأها؟
|
|
|
خصوصاً في وقتنا هذا وحرفة الكتابة آخذةٌ بالإزدهار ويتم أكثر، ولو أنه أكثر القليل، الإعتراف بجهد الكاتب وحقه في الكسب من حبر قلمه.
|
|
|
هناك أدباء أمسكوا العصا من المنتصف ونشروا كتاباتهم تحت اسم مستعار، أشهرهم إيلينا فيرانتي، الكاتبة الإيطالية الأمهر اختباءاً حتى يومنا هذا. قرأت كتاباً يتقصى هويتها تبارك مؤلفته هذا التخفي وترى أن معرفة شخص الفنان غير مهمة ولا علاقة لها بالفن الذي يقدمه.
|
|
يمكن أن يرمز الاسم المستعار لأشياء كثيرة وله وظيفة أدبية محترمة للغاية… يمكن أن نعتبره تظليلًا لشخصية المؤلف يهدف لإعطاء قوة أكبر للصوت السردي، أو شاشة لحماية الشخصية الأدبية من الفضول غير المبرر أو الأحكام المسبقة التي لا تطاق. أسطورة إيلينا فيرانتي - آنا ماريا جواداجني
|
|
|
|
الأكثر تطرفاً هو الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا، شاعر الهويات المتعددة، الذي لم يكتفي باسم مستعار واحد بل ابتكر (أنداده) الأدبيين وجعل لكل واحد منهم سيرةً وشخصيةً وأسلوباً مختلفاً في الكتابة. يقال أن عددهم بلغ ٧٢ اسم/حياة.
|
|
|
الكاتبة العربية مي زيادة استعارت أيضاً أكثر من اسم من بينها عائدة وإيزيس كوبيا وشجية بل وحتى خالد رأفت.
|
|
|
كذلك الكاتبة المعاصرة جي كي رولينغ جربت نشر روايتها (نداء الكوكو) باسم مستعار (روبرت غالبريث) بعيداً عن أضواء سلسلة هاري بوتر الشهيرة. كانت مبيعات الرواية متواضعة لولا أن هويتها تسربت إلى الصحافة لتقفز مبيعاتها من 1500 إلى 140 ألف نسخة.
|
|
|
لم يكن هذا تخفي رولينغ الأول، إن استخدامها الأحرف الأولى من اسمها (جوان رولينغ) تخفٍ أيضاً فرضته عليها دار النشر لأنهم خشيوا من تأثر مبيعاتهم إذا عرف الجمهور أن المؤلفة امرأة.
|
|
|
|
|
|
كثيرات هن الكاتبات اللاتي وجدن أنفسهن مضطرات إلى التخفي وحجب هويتهم الأنثوية لاقتحام عالم النشر. لم يكن استخدامهن الاسم المستعار مجرد حيلة تسويقية، بل وسيلة لانتزاع حقهن في الكتابة وأن تُقرأ نصوصهن دون أحكام مسبقة.
|
|
|
الأخوات برونتي (شارلوت، إيميلي وآن) من أشهر قصص التخفي في تاريخ الأدب. نشرن رواياتهن وقصائدهن تحت أسماء رجالية (كارر بيل، إليس بيل وأكتون بيل) خشيةً من نظرة المجتمع القاصرة. اخترن الأسماء بحيث تحتفظ كل أخت بالحرف الأول من اسمها الحقيقي وحملن جميعاً، في لفتة أخوية معبرة، نفس اسم العائلة المستعار.
|
|
|
جورج إليوت أيضاً اسم رجالي مستعار استخدمته الروائية الإنجليزية ماري آن إيفانز. المفارقة هنا أن هذا الاسم صار هوية أدبية مستقلة اشتهرت أكثر منها واستمر حتى بعد معرفة الجمهور أنها امرأة.
|
|
|
أختم هذه القائمة بكاتب يؤنس بيسوا وسط هذا النادي النسائي: لويس كارول مؤلف أليس في بلاد العجائب. اسمه الحقيقي تشارلز دودجسون وكان دافعه للتخفي الخوف على مكانته العلمية؛ إذ عمل في تدريس الرياضيات بجامعة أكسفورد. كتب رسالةً إلى صديقته يتحدث فيها عن نفوره الشديد من الشهرة:
|
|
|
"كل هذا النوع من الدعاية والشهرة سيقود الغرباء لمعرفة اسمي الحقيقي من خلال اتصالهم مع كتبي، ستعرف شخصيتي وسيبدأ الناس بالتحديق إلي كلما رأوني، سأعامل معاملة الأسد من قبل هؤلاء الغرباء وأنا أكره كل هذا بشدة لدرجة أني أتمنى في بعض الأحيان لو لم أكتب أي كتاب على الإطلاق".
|
|
|
|
|
|
هل تذكرون أيام الاختبارات في المدارس حين يقف مراقبوا الامتحان خلف رؤوسنا ونصبح عاجزين عن الكتابة حتى مغادرتهم نحو ضحية أخرى؟
|
|
|
هذا التوتر له اسم وهو Scriptophobia أي رهاب الكتابة. لا يشمل هذا المصطلح رهاب النشر لأنه معني بفعل الكتابة لا مضمونها؛ فهو خوف غير عقلاني من أن يراك أحدهم وأنت تكتب؛ كما أن له علامات جسدية مثل رجفة اليدين، التعرق وتسارع نبضات القلب. الخوف من أن يراك الآخرون وأنت تكتب مختلف عن الخوف من أن يقرأوا ما كتبت، لكن الشيء بالشيء يذكر.
|
|
|
في طريقك إلى اتخاذ قرار النشر تذكر أن الكتابة فعل صادق جداً لكنك لا تدين للقراء بمشاركة كل تفصيلة من حياتك، مثلما يظن بعض مشاهير السوشيال ميديا. يمكنك وضع حدود واختيار ما تريد نشره على الملأ. إذا وصلت إلى هنا فأنت تعرف أنه يمكنك حتى اختيار اسم آخر. أنت المسيطر، وأنت من يقرر ماذا سيقرأ الآخرون. إدراكك لهذا يضعف الخوف.
|
|
|
لا تريد التخلص منه تماماً، فهذا الخوف له إيجابياته. بنفس الطريقة التي يكون بها الفشل ضرورياً للنجاح، فإن الخوف ضروري لتكون كاتباً. إنه علامة أنك على وشك القيام بشيء مذهل. إنه دافع و"دعوة لخوض التجربة" كما يقول مات بيرد، صاحب دار نشر دولية تساعد الكتاب الجدد على نشر وتسويق كتبهم حول العالم، ويضيف أن كل إنجاز في الحياة يتطلب منا مغادرة منطقة مألوفة؛ أول وظيفة - أول منزل - أول طفل - أول كتاب، كلهم يأتون برفقة عدم اليقين وكلهم يجعلونك تنمو وتدرك ما أنت قادر على القيام به.
|
|
|
تدرج في الظهور، مثلما فعلت صديقة المرجع، انشر أولاً عند أشخاص تثق بحكمهم وابني شجاعتك خطوةً بخطوة. المهم أن تستمر بالكتابة.
|
|
|
إن القراءة في تجارب الكتّاب الآخرين ملهمة ومفيدة أيضاً. أرشح لك مقالين قرأتهما أثناء الإعداد للنشرة:
|
|
|
|
|
|
أختم بهذا القول للكاتب الإسباني أنريكه بيلا ماتاس: «٩٩٪ من البشرية تفضل عدم الكتابة». كتب ماتاس عن رغبة الكاتب في الانسحاب من الأضواء والتخلي عن هويته في أكثر من عمل: بارتلبي وأصحابه، الدكتور باسافينتو.
|
|
|
لا أقصد بهذا الاقتباس تشجيعك على الركون إلى كسل الأغلبية، أقصد تذكيرك أن هذا الخوف مشترك وشائع وأن التغلب عليه قرارك وحدك. قد تتوهم أصواتاً وتعليقاتٍ سلبية، ربما، لكن على الأغلب لن تنتبه إليها وسط أصوات الهتاف والتشجيع التي تشد على يديك وتدعم قلمك. تؤازرك الكاتبة آني إرنو وهي تؤكد على أن"معايشة شيء ما، أياً كان، تمنح حقاً لا يسقط بالتقادم في الكتابة عنه". إذاً مارس حقك في الكتابة واجعلنا نقرأ ما تريد إخبارنا به "لا توجد حقيقة دنيا".
|
|
|
هل جعلتك قراءة المقال تشعر بإمكانية أن تكون من ضمن ال١٪ الشجعان الذين يطأون هذه الأرض الغريبة ويغرسون علم الكتابة؟ أتمنى ذلك.
|
|
|
|
◀️📺 تلفزيون مرجع التدوين:
|
|
ترغب بظهور كتاباتك في تلفزيون المرجع؟اشترك معنا ودع الباقي علينا..
|
|
|
|
أبو دفعة
|
|
|
🔷 مدونة "أحمد قربان":
|
|
|
يشاركنا أحمد مراجعته لكتاب “Creatvity, Inc” للمهتمين بإدارة الموظفين، وتحسين جودة وبيئة العمل 👌🏻.
|
|
|
نصائح من كتاب Creativity, Inc تساعد في تحسين بيئة العمل
|
|
|
|
|
|
🔷 مدونة "أحمد الشمراني":
|
|
|
هل سبق أن تغيّرت مشاعرك أو عاداتك فقط لأن من حولك تغيّروا؟ 👀
|
|
|
اقرأ تدوينة أحمد واكتشف إلى أي مدى يؤثر من حولك فيك، ولا تنسى الاشتراك ليصلك كل جديده ✉️.
|
|
|
العدوى العاطفية
|
|
|
|
|
|
🔷 مدونة "طارق الخميس":
|
|
|
كم مرة ضغطت "حفظ" على شيء أعجبك ثم لم تعد إليه أبدًا؟ 🤔
|
|
|
يكتب طارق عن مقبرة المحفوظات الرقمية، وكيف يتحول زرّ الحفظ من وسيلة للاحتفاظ بالأفكار إلى طريقة لتأجيلها.
|
|
|
أين تذهب الأشياء التي نحفظها؟
|
|
|
|
|
|
🔷 مدونة "فوزية":
|
|
|
تدلّى شيءٌ في ظهري، فتوقّفتُ عن الحركة…"
|
|
|
اقرأ تتمة القصة داخل تدوينة فوزية.
|
|
|
العدو المتمرد
|
|
|
يمكنك الاشتراك في خدمة مرجع التدوين للنشر التلقائي من خلال رابط المتجر في الأسفل.
|
|
|
|
📚🗞️مكتبة مرجع التدوين:
|
|
|
ماذا لو أخبرناك عن مكان واحد فيه يمكنك أن تجد تدوينات ممتعة مفيدة وتستحق القراءة عن أي موضوع يخطر ببالك؟
|
|
|
نقدم لكم مكتبة مرجع التدوين، حيث تضم كنزاً من تدوينات وكتابات مثرية لعدد كبير من المدونين المتميزين!
|
|
|
بنقرة زر يمكنك البحث والوصول إلى أي موضوع يهمك، وهذه الميزة تمنحك خصوصية تامة بعيداً عن الخوارزميات ومن دون أن يطّلع أي أحد على بياناتك.
|
|
|
تصفح مكتبة مرجع التدوين 📚
|
|
◀️ زُرنا في متجر مرجع التدوين:
|
|
|
متجر مرجع التدوين
|
|
|
|
|
كتابة وإعداد: غالية الجهني
|
|
|
إشراف عام: أحمد قربان
|
|
|
|
📩 للتواصل والإعلان:
|
|
|
Allarabblogs@gmail.com
|
|
التعليقات