شـامـل | البراغماتية بين ورود المثالية وحدود الواقع | العدد #53 |
| 3 فبراير 2026 • بواسطة أحـمـد الحـجـيلـي • #العدد 53 • عرض في المتصفح |
|
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات وتتبدل فيه موازين القوة والمصالح، لم تعد المقاربات المثالية الصرفة قادرة وحدها على تفسير الواقع أو التعامل معه بفاعلية. هذا التحول لم يُنتج عداءً للقيم أو تنكّرًا للمبادئ، بقدر ما أفرز حاجة متزايدة إلى أنماط تفكير أكثر مرونة، قادرة على قراءة المعطيات كما هي، لا كما نحب أن تكون.من هنا برزت البراغماتية بوصفها محاولة عقلانية لضبط العلاقة بين الفكرة ونتيجتها، وبين المبدأ وإمكان تطبيقه، دون الوقوع في جمودٍ نظري أو اندفاعٍ نفعي أعمى. فالواقع لا يُبنى بالأحلام وحدها، كما لا يُدار بمنطق المصالح المجردة، بل بتوازنٍ دقيق بين القيم والنتائج، وهو ما تسعى البراغماتية – في أصلها الفلسفي – إلى تحقيقه.
|
|
|
ما البراغماتية؟ وكيف نشأت؟ |
|
البراغماتية مذهب فلسفي نشأ في الولايات المتحدة أواخر القرن التاسع عشر، وكان من أبرز رواده تشارلز ساندرز بيرس، ووليم جيمس، ثم جون ديوي. |
|
تنطلق هذه الفلسفة من فكرة محورية مفادها أن قيمة الأفكار لا تُقاس بمدى انسجامها النظري فقط، بل بآثارها العملية القابلة للاختبار في الواقع. فالحقيقة، وفق التصور البراغماتي، ليست معطىً ثابتًا خارج التجربة الإنسانية، بل نتيجة تفاعل الفكرة مع الواقع وما تُحدثه من أثر. |
|
بيرس، بوصفه المؤسس، لم يكن يدعو إلى نفعية سطحية، بل إلى منهج يربط المعنى بالنتائج المتوقعة للفكرة. أما وليم جيمس فقد وسّع هذا التصور ليشمل المجال الإنساني والأخلاقي، في حين جعل جون ديوي البراغماتية أساسًا لفلسفة التربية والديمقراطية والتجربة الاجتماعية. |
المبادئ الأساسية للبراغماتية |
|
أولًا: الحقيقة ذات طابع وظيفي لا مطلق، لا تنفي البراغماتية وجود الحقيقة، لكنها ترى أن معناها يتحدد من خلال آثارها العملية. فالفكرة تكون “صحيحة” بقدر ما تُثبت قدرتها على تفسير الواقع أو تحسينه. ومع تغير المعطيات، قد تتغير الأدوات، دون أن يعني ذلك عبثية أو نسبية مطلقة. |
|
ثانيًا: الأفكار أدوات للعمل لا غايات بذاتها، الأفكار في المنظور البراغماتي ليست زينةً عقلية ولا بناءً نظريًا مغلقًا، بل أدوات تُختبر في ميدان الواقع. ولهذا لا تُقدَّس الفكرة لمجرد جمالها أو عمقها، وإنما تُقدَّر بقدرتها على إحداث أثر ملموس. |
|
ثالثًا: المعرفة تنشأ من التجربة، ترى البراغماتية أن المعرفة لا تُستمد من التنظير المجرد وحده، بل من الاحتكاك المباشر بالواقع. فالخبرة الإنسانية، بما تحمله من نجاحات وإخفاقات، تشكل مصدرًا أساسيًا للفهم والتعلم، وهو ما يفسر اهتمام البراغماتيين بالتجربة والتعليم التطبيقي. |
|
رابعًا: لا قيمة لفكرة لا تُحدث فرقًا، الفكرة، مهما بلغت درجة تجريدها، تفقد معناها إذا عجزت عن تحسين الواقع أو الإسهام في حل مشكلاته. وهذا لا يعني رفض الفكر النظري، بل إخضاعه لاختبار الجدوى. |
|
مسارات تطبيق البراغماتية |
|
لم تقتصر البراغماتية على المجال الفلسفي، بل امتدت إلى السياسة، والتعليم، والتربية، والأخلاق. ففي السياسة، تُستخدم البراغماتية لقراءة موازين القوى واتخاذ قرارات مرنة تراعي الواقع المتغير. وفي التعليم، أسهمت أفكار جون ديوي في تحويل العملية التعليمية من تلقينٍ جامد إلى تجربة تعلم نشطة قائمة على الفهم والممارسة. أما في المجال الأخلاقي، فقد دفعت البراغماتية إلى البحث عن أساليب إصلاح تُحدث أثرًا فعليًا في السلوك، بدل الاكتفاء بالمواعظ أو الأحكام المجردة التي قد تُنتج نتائج عكسية. |
البراغماتية في مرمى النقد |
|
تعرّضت البراغماتية لانتقادات عديدة، أبرزها اتهامها بتمييع القيم أو تبرير الوسائل بالنتائج. غير أن هذا النقد غالبًا ما يستند إلى سوء فهم للفلسفة البراغماتية، لا إلى جوهرها الحقيقي. فالبراغماتية الكلاسيكية لا تبرر أي وسيلة لمجرد نجاحها الآني، بل تُقيّم النتائج على المدى القريب والبعيد، بما في ذلك آثارها الأخلاقية والاجتماعية. وهي لا تدعو إلى هدم القيم، بل إلى اختبارها في الواقع والتأكد من قدرتها على تحقيق مقاصدها. |
|
ولعل الخلل الحقيقي لا يكمن في البراغماتية ذاتها، بل في تحويلها إلى ذريعة لتبرير الفشل أو التخلي عن المبادئ تحت شعار “الواقعية”، في حين أن البراغماتية في أصلها محاولة لتجاوز الفشل لا للتعايش معه. |
|
ختامًا، البراغماتية، في صورتها الفلسفية الرصينة، ليست نقيضًا للمثالية ولا عدواً للقيم، بل هي محاولة لضبط العلاقة بين الفكر والواقع، وبين الطموح وإمكان التطبيق. إنها دعوة إلى عقلٍ يقظ، لا يتشبث بخطط أثبت الواقع عجزها، ولا يتخلى في الوقت نفسه عن غاياته الكبرى، بل يعيد النظر في الوسائل ويبحث عن مسارات أكثر قابلية للتحقق. |



التعليقات