شـامـل | بين الفرصة والخوف: رحلة الإنسان نحو التسليم | العدد #50 |
| 13 يناير 2026 • بواسطة أحـمـد الحـجـيلـي • #العدد 50 • عرض في المتصفح |
|
تُعدّ الفرص من أكثر المفاهيم إرباكًا للنفس الإنسانية؛ فهي تحمل في ظاهرها وعد الانتقال إلى واقعٍ أفضل، وفي باطنها قلق المجهول وكلفة القرار. وبين شهوة الاقتناص التي توقظ الرغبة، والخوف الذي يستدعي الحذر، يدخل الإنسان في دوّامة من التفكير والتحليل والمقارنة. وكلما كانت الفرصة مصيرية، أو استلزمت ثمناً من وقتٍ أو جهدٍ أو مال، ازداد ثقل القرار وتعقّد المسار النفسي المؤدي إليه. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا نخشى الفرص، رغم علمنا بأنها قد تكون جسور نجاة؟ وما السبيل إلى تهذيب هذا الخوف دون إنكار طبيعته؟
|
|
|
التغيير: سنة كونية ومصدر قلق إنساني |
|
التغيير من حالٍ إلى حال هو السُّنّة الكونية التي قامت عليها قوانين الوجود؛ فلا ثبات في دنيا خُلقت على التحوّل. ومع ذلك، ورغم ألفتنا للتغيير منذ نعومة أظفارنا، لا نزال نستقبله بالخوف ذاته كلما مسّ مناطقنا الآمنة. ذلك أن العقل الإنساني بُرمج –غريزيًا– على تجنّب المجهول حفاظًا على ما يملك، ولو كان ما يملكه أقلّ مما يرجوه. |
|
تخيّل أن يَخطر ببالك فجأة احتمال فقدان عملك أو منصبك؛ ستجتاحك مشاعر القلق والاضطراب فورًا، لا لشيء إلا لأن هذا الحدث يجرّك إلى مستقبل غير معلوم بلا بديل واضح. لكن المشهد يتغيّر إن كان الانتقال نابعًا من اختيارك، كاستقالةٍ من عمل إلى عرضٍ آخر أفضل. هنا تُسمّى المخاطرة فرصة، ويُعاد توصيف الخوف على أنه حماس. |
وهم البديل و«سُكرة الفرصة» |
|
في الحالتين، يبقى المجهول حاضرًا، لكن الفارق يكمن في وجود البديل. فالفرصة –أو ما نسمّيه البديل الأفضل– تُحدث حالة من السُّكرة النفسية تُخدِّر الخوف الكامن. تبدأ المقارنات، والاستشارات، والاستخارات، والدعاء؛ وكلها ممارسات مشروعة، لكنها في الوقت ذاته قد تعمل كستارٍ يخفف وطأة القلق، لا كدليل على زواله. |
|
أما حين يُسلب الإنسان من بديله المادي فجأة، فإن السُّكرة تزول، ويطفو الخوف على السطح بكل ثقله. وهنا يعجّ العقل بالأسئلة، وتتعاظم المخاوف، لا لأن الحدث أشدّ قسوة، بل لأن الإنسان فقد ما يوازن به المجهول. |
إنسان يعبر جسر معلق |
رحمة التسليم: حين يبصر القلب |
|
وحين يعجز البديل المادي عن تهدئة الخوف، يظهر البديل الروحي أو التسليم كطريق للسكينة والاتزان. هنا تتجلّى قيمة التسليم، لا بوصفه استسلامًا سلبيًا، بل كرحمةٍ إلهية تُعيد للنفس اتزانها. فصاحب البصيرة لا ينهار عند فقدان البدائل المادية، لأنه شيّد في داخله بديلًا أعمق: الإيمان بأن ما قدّره الله، خيرٌ في جوهره، وإن بدا موجعًا في ظاهره. |
|
هذا النوع من التسليم يكسر معادلة الإنسان القائمة على اللذّة والخسارة، ويُنشئ بديلًا وجدانيًا دائمًا لا يتأثر بتقلّبات الواقع. ولذلك نرى أن من عايشوا أقسى الابتلاءات –كضحايا الحروب والعدوان– قد يظهرون صلابة تفوق من يعيشون في وفرة؛ لأنهم حين فقدوا البدائل المادية، احتموا بالبديل الروحي. |
بناء الصلابة من الداخل |
|
التسليم بقضاء الله، خيره وشره، ليس فكرة عابرة، بل مهارة تُنمّى. وكلما تمرّس الإنسان على التسليم في صغائر الأمور، هانت عليه كبائرها. عندها، لا يعود فقدان المنصب أو المال أو المكانة مصدر رعب، بل محطة عابرة في مسار أوسع. |
|
من هنا يمكن فهم كيف يصل بعض الناس إلى درجة من الانفصال الواعي عن شهوات الحياة؛ ليس ازدراءً لها، بل إدراكًا لزوالها. هؤلاء بنوا مفهوم الفرصة على قاعدة واحدة: «كله خير». فصار المجهول عندهم وعدًا، لا تهديدًا. |
التسليم كفرصة لا تُعوَّض |
|
التسليم من أعظم ما اعتنت به الشريعة في بناء الإنسان نفسيًا ووجدانيًا. فبدونه، يولد التحسّر، ويترسّخ الحزن، ويطول العيش في صراع داخلي مرهق. أما به، فتستعيد النفس عافيتها، وربما انعكس ذلك حتى على الجسد. |
|
إن إعادة تأهيل الروح على لياقة التسليم تُنشئ حصنًا داخليًا متينًا، يقف في وجه رياح الخوف حين تهب. وحين يُربّى النشء على هذه القيمة، فإننا لا نصنع جيلًا خانعًا، بل جيلًا شجاعًا، يفكّر بعمق، ويُقدِم بثبات، لأنه فوّض أمره لله، وسار في الحياة بقلبٍ مطمئن. |
الخاتمة |
|
ليست المشكلة في الفرص ذاتها، ولا في المجهول الذي يكتنفها، بل في غياب ما نُوازن به هذا المجهول. فإن وُجد البديل المادي، خفّ الخوف، وإن غاب، كان التسليم هو البديل الأعظم. وبين هذا وذاك، يبقى الإنسان مخيّرًا: إمّا أن يظل أسير القلق، أو أن يتعلّم فنّ الطمأنينة في حضرة القدر. |



التعليقات