شـامـل | تأرجح التعليم: بين الصفوف التقليدية والهيمنة الرقمية | العدد #49

6 يناير 2026 بواسطة أحـمـد الحـجـيلـي #العدد 49 عرض في المتصفح
لطالما واجهت الجامعات والكليات، سواء في العالم العربي أو في بقية أنحاء العالم، نوعًا من الازدراء تجاه الأساليب الحديثة في التعلم. هذا الازدراء لم يكن عبثيًا، بل نتاج تراكمات ثقافية ونفسية على مدى عقود، حيث ارتبط الإنترنت في أذهان البعض فقط بالتسلية والمحادثات الفارغة بين الشباب. ومع أن المنتديات الرقمية في بداية الألفية والمواقع الإخبارية المهنية قدمت مساهمات هامة، لم تتغير الصورة الذهنية التقليدية. ومع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وتعامل الناس معها بأسلوب ترفيهي، ظل الاعتقاد السائد أن أي بديل عن التعليم النظامي التقليدي يهدد أصالة وجودة التعليم.لكن السنوات الأخيرة، خصوصًا خلال جائحة كوفيد-19، أظهرت حقيقة مختلفة: التعليم عن بُعد لم يعد مجرد تجربة ثانوية أو اضطرارية، بل أصبح وسيلة فعالة للحفاظ على استمرارية التعليم في الظروف الاستثنائية، مؤكدًا أن الثوابت التعليمية ليست بالضرورة جامدة، وأن جودة التعليم لا تُقاس بطريقة واحدة أو مكان واحد، بل بمدى تكيفه مع الواقع ومتطلبات الطلاب.

قوة القناعات وحدودها

إن القناعات التي نبنيها حول قدراتنا وإمكاناتنا أحيانًا تعرقل تقدمنا. فالطلاب القرويون، على سبيل المثال، الذين تبعد جامعاتهم مئات الكيلومترات، كانوا يجدون صعوبة في متابعة دراستهم بسبب القيود الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. ومع ذلك، جائحة كورونا كشفت أن هذه القيود يمكن تجاوزها بالوسائل الرقمية، ما جعل العديد منهم يحقق نتائج ممتازة دون التضحية بجودة التعليم. السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم نتبنى هذه الحلول قبل الأزمة؟

الدليل واضح: كثير من القيود التي نضعها لأنفسنا هي مجرد انعكاسات لما اعتدنا عليه، وليس لأن الواقع يفرضها فعليًا.

فعالية التعلم الرقمي مقابل التعلم الحضوري

تشير الدراسات الحديثة إلى أن التعليم عن بعد، عند تصميمه وتنفيذه بشكل منهجي، يمكن أن يكون أكثر فعالية في بعض المخرجات الأكاديمية مقارنة بالتعليم الحضوري التقليدي. على سبيل المثال، الطلاب في التخصصات المعرفية البحتة قد يحصلون على نتائج أعلى في بيئة رقمية مرنة، بينما يحتاج التعليم الفني والمهني والصحي إلى حضور عملي في الورش أو المستشفيات الجامعية لضمان اكتساب المهارات التطبيقية.

وهذا يؤكد أن جودة التعليم لا ترتبط بنوعه بقدر ارتباطها بمدى ملاءمته للاحتياجات التعليمية وطبيعة المحتوى.

المستقبل الرقمي للتعليم

من الواضح أن المستقبل يميل نحو التعليم الرقمي، خاصة في المجالات التي يمكن فيها الاستفادة من التكنولوجيا دون التأثير على جودة المخرجات. التمسك بالطرق التقليدية في مواجهة التطور الرقمي يشبه الخوف من المجهول، بينما الواقع يفرض علينا تبني الوسائل الجديدة لتسهيل التعلم وزيادة فعاليته. تمامًا كما حدث مع الكتب الرقمية وطرق الوصول إلى المعرفة المتنوعة، أصبح من الممكن أن يحصل أي شخص على مصادر معرفية غير محدودة بسهولة ويسر.

المنطق فوق المثالية

ليس الدفاع عن التقنية مجرد انحياز، بل مسألة منطقية بحتة: اختيار أفضل الوسائل المتاحة عمليًا يفوق الالتزام برغبات مثالية قديمة. لم تعد المعرفة بحاجة إلى مكتبة ضخمة أو حضور دائم في الصفوف، فالتعليم الحضوري كان ممكنًا قبل مائة عام، والآن يمكن الاستفادة من التكنولوجيا لتلقي المعرفة في أي وقت وأي مكان، دون المساس بجودة التعلم. الثقافة اليوم لم تعد حبيسة الكتب الورقية أو البرامج التعليمية التقليدية، بل يمكن الوصول إليها بضغطة زر، مع جودة أحيانًا تفوق أي وسيلة قديمة.

الخاتمة

التجربة التي فرضتها الأزمات أثبتت أن التغيير ليس عدوًا للجودة، بل أداة لتوسيع آفاق التعلم وتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد المتاحة. الجامعات والقائمون على التعليم مدعوون لمراجعة قناعاتهم التقليدية واعتماد المرونة كأساس لضمان جودة التعليم واستمراريته في جميع الظروف، مع خلق توازن بين الحضور الرقمي والتقليدي. التعليم لم يعد مجرد التزام بالتقاليد، بل هو فن تكييف الوسائل مع العصر لتحقيق أفضل النتائج للطلاب والمجتمع بأكمله.

مشاركة
شـامـل

شـامـل

«شـامـل» | نشرة بريدية أسبوعية 📩 تُكتب من صُلب أفكار أحمد الحجيلي، ولأن كل فكرة تستحق أن تُروى كاملة، فـ «شـامـل» نشرة شاملة. «شـامـل» ليست مجرد نشرة، بل رحلة فكرية تأخذ قرّاءها إلى زوايا الأدب، والفكر، والثقافة، والتأملات النقدية، وحتى التساؤلات العابرة التي قد تقود إلى رؤى جديدة. لا تتبع خطًا واحدًا، ولا تلتزم بقالب جامد، بل تنمو مع كل عدد، تمامًا كما تنمو الأفكار في العقول، والأزهار في الحقول. في «شـامـل» لا أعدك بموضوعات تُقرأ وحسب، بل بمحتوى يحفّز عقلك، ويثير فضولك، ويفتح أمامك نوافذ جديدة على العالم. 📌 سوف تجد في «شـامـل» ☘ مقالات متنوعة تتناول كل ما يستحق القراءة والتأمل. ☘ تحليلات نقدية تُعيد النظر في الأفكار السائدة. ☘ مساحة مفتوحة لاكتشاف الجديد والمختلف. ☘ محتوى بلا قيود، كالفكرة التي تلهمنا دائمًا. في «شـامـل» الفكرة ليست النهاية، بل البداية لحوار جديد. — اشترك الآن، ودع الأفكار تأخذك في رحلة بين شِعاب عقل الكاتب، إلى أماكن لم تخطر ببالك!

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من شـامـل