شـامـل | الكريسماس: من رمز للعيش المشترك إلى أداة للتذويب الثقافي | العدد #47 |
| 23 ديسمبر 2025 • بواسطة أحـمـد الحـجـيلـي • #العدد 47 • عرض في المتصفح |
|
لطالما ارتبطت الاحتفالات الدينية بسياقها العقدي والاجتماعي الخاص، فكانت ممارسةً محصورة في أتباع الدين أو الطائفة ذاتها، تُستعاد فيها الطقوس وتُحيا المراسم بوصفها تعبيرًا عن هوية جماعية محددة. غير أن هذا الإطار التقليدي بدأ يتغير مع تحولات العصر الحديث، لتتحول بعض المناسبات الدينية إلى ظواهر عابرة للثقافات.ويُعدّ عيد الميلاد (Christmas) مثالًا واضحًا على هذا التحول؛ إذ تجاوز كونه مناسبة دينية تخص أتباع المسيحية، ليصبح حدثًا عالميًا تشارك فيه مجتمعات متعددة، بغضّ النظر عن انتمائها الديني. ولم يعد هذا الحضور مقتصرًا على الدول الغربية، بل امتد إلى مجتمعات شرقية ذات أديان وثقافات محلية راسخة، مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية، فضلًا عن بلدان عربية وإسلامية باتت بعض مدنها تشهد انتشار رموز هذا العيد في الفضاء العام قبل موعده بأسابيع طويلة.وهنا يبرز تساؤل أساسي: كيف يمكن التوفيق بين احترام التنوع الديني والثقافي من جهة، وبين الحفاظ على الخصوصية الحضارية وعدم الانزلاق نحو الذوبان الثقافي من جهة أخرى، خاصة إذا تجاوزنا مبررات العيش المشترك، وكذلك الدوافع الاقتصادية المرتبطة بالسياحة، التي قد تدفع بعض المدن لتبني رموز هذه الاحتفالات لجذب الزوار وزيادة الحركة التجارية؟
|
|
|
العيش المشترك: بين الاحترام والتجاوز |
|
يُعدّ العيش المشترك من القيم الإنسانية التي أسهمت في استقرار المجتمعات المتعددة دينيًا وعرقيًا، وهو مبدأ لا خلاف على ضرورته. غير أن الإشكال لا يكمن في هذا المبدأ ذاته، بل في اتساع دلالته إلى حدّ يصبح فيه غطاءً لتجاوزات تمس الخصوصيات الدينية والثقافية. |
|
ففي المجتمعات الإسلامية، لا ينبع التحفّظ تجاه المشاركة في أعياد دينية أخرى من موقف إقصائي أو عدائي، بل من إدراك لطبيعة الهوية الدينية التي تقوم على التمايز لا على الذوبان. ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بين احترام حق الأقليات الدينية في ممارسة احتفالاتها، وهو حق أصيل، وبين محاولات تعميم هذه الاحتفالات وإقحام المجتمع المسلم فيها بوصفها مناسبات عامة تحت عنوان العيش المشترك. |
|
إن هذا الخلط بين الاحترام والمشاركة المفروضة يفرغ المفهوم من مضمونه الحقيقي، ويحوّله إلى أداة ضغط ثقافي ناعمة، تمارس باسم التسامح والانفتاح. |
التجربة التاريخية وحدود التعايش |
|
تُظهر التجربة التاريخية للمجتمعات الإسلامية نموذجًا مختلفًا للتعايش الديني، قائمًا على الاحترام المتبادل دون اندماج قسري. فمنذ العهدة العمرية، عاش المسيحيون في كنف الدولة الإسلامية محتفظين بأعيادهم وطقوسهم، كما احتفظ المسلمون بأعيادهم، دون محاولة تحويل هذه المناسبات إلى رموز جامعة مفروضة على الجميع. |
|
وقد استمر هذا التوازن عبر قرون متعاقبة، من الخلافة الراشدة إلى الدولة العثمانية، حيث شكّل المسيحيون جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي وأسهموا في عمران بلدانهم ونهضتها، ضمن إطار واضح يحفظ الخصوصيات الدينية ويصون مفهوم العيش المشترك دون إخلال. |
|
الهيمنة الثقافية وتحويل الرموز الدينية |
|
لا يمكن فصل التحولات المعاصرة في حضور بعض الأعياد الدينية عن سياق أوسع من الهيمنة الثقافية الغربية، التي انتقلت من السيطرة العسكرية المباشرة إلى أنماط أكثر نعومة وتأثيرًا. فقد أسهمت وسائل الإعلام، والسينما، والإعلان التجاري، ثم المنصات الرقمية، في إعادة تقديم بعض المناسبات الدينية بوصفها رموزًا إنسانية عامة، منزوعة السياق العقدي، ومشبعة بقيم استهلاكية جذابة. |
|
وفي هذا الإطار، جرى تسويق عيد الميلاد باعتباره مناسبة عالمية جامعة، لا تقتصر على أتباع دين بعينه. وتكمن خطورة هذا الطرح في تمييع المفاهيم الدينية وصرفها عن مواضعها الطبيعية، بما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل الوعي الجمعي تدريجيًا، خاصة في المجتمعات ذات الخصوصيات الثقافية والدينية الواضحة. |
الخاتمة |
|
إن العيش المشترك لا يتحقق بتذويب الهويات أو استيراد الرموز الدينية للآخر، بل يقوم على الاعتراف بالاختلاف واحترام حدوده. فالتسامح الحقيقي لا يعني المشاركة في كل ما هو مختلف، وإنما الإقرار بحق كل جماعة في الحفاظ على خصوصيتها. |
|
ومن هذا المنطلق، فإن التحفّظ على تعميم بعض الأعياد الدينية في المجتمعات الإسلامية لا يُعدّ رفضًا للآخر، بل دفاعًا عن توازن دقيق بين الانفتاح المشروع والحفاظ على الهوية. وحين يُفهم العيش المشترك في إطاره الصحيح، يصبح عامل ثراء حضاري، لا أداة لفرض نماذج ثقافية مهيمنة تحت عناوين براقة. |



التعليقات