شـامـل | ابتسامةُ العيدِ فوقَ الركام… سيخٌ في أعناقِ ثُلَّةِ الإجرام | العدد #59 |
| 17 مارس 2026 • بواسطة أحـمـد الحـجـيلـي • #العدد 59 • عرض في المتصفح |
|
لطالما سألت نفسي: كيف للإنسان أن يعيش عيدًا في ظل حرب؟ وكيف يمكن أن يتسلل الفرح إلى قلبٍ يحيط به الهلع والحزن؟ فهذه المناسبات الدينية شُرع فيها الفرح وإظهار مظاهره، مهما اشتدت الظروف أو تعقّدت منحنيات الحياة.وعلى مدار التاريخ البشري، اضطر الإنسان – دون حولٍ له ولا قوة – إلى أن يتكيّف مع الأعياد في زمن الحروب، وأن يصنع الفرح من العدم. وفي منطقتنا وجدنا كثيرًا من النماذج الملهمة لصلابة الإنسان العربي وحبّه للحياة رغم ما فيها من مآسٍ ومعاناة.فلنا في العدوان على قطاع غزة المنكوب مثال، ولنا في مأساة سوريا مثال آخر؛ إذ وُلدت الفرحة – ولو في أبسط صورها – ورُسمت البهجة على وجوه الأطفال الذين أحيوا شعائر الأعياد بكل ما تحمله من مظاهر.كانت فرحتهم كأنها سيخ في عنق أعدائهم؛ مهما حاولوا التخلص منه لا يستطيعون. فلا شيء يعكّر صفو المعتدي أكثر من استمرار المعتدى عليه في الحياة، وصناعة الفرح من عمق الألم. فالثوب الذي تكتسيه هذه الفرحة هو ثوب الانتصار، رغم كل مؤشرات الهزيمة، ضاربة عرض الحائط بكل الدمار الذي حلّ، وبالدماء التي سُفكت بغير حق.
|
|
|
حين تتحول الفرحة إلى غيظ في صدر العدو |
|
إن الترجمة التي يتلقاها العدو من فرحة المعتدى عليهم تختلف عن المقاصد العفوية التي أرادوا حقًا إظهارها. فعلى الرغم من أن إحياء الفرح – رغم الألم – واجب لتحقيق مقاصد هذه الأيام المباركة، إلا أن إحياءه في زمن الحروب يصبح أشبه بفرضٍ لا يُترك على من استطاع إليه سبيلًا. |
|
إنها قوة تخرج من خضم المعاناة؛ فذلك الغيظ الذي يشعر به العدو، بعد كل ما ارتكبه من اعتداء ودمار وسفك للدماء بغير حق، يتبخر أمام طفلة صغيرة فقدت أبويها لكنها ما زالت تفرح، ويتلاشى أمام دبكةٍ تُعزف، أو قطعة حلوى تُقدَّم في لحظة سلامٍ عابرة. |
|
ذلك الألم الذي يشعر به المعتدي من هذه المناسبات هو ما يدفعه أحيانًا إلى مزيد من القصف واستهداف الأبرياء في الأعياد، كما حدث في مدينة إدلب، حين لم يرحمها طيران النظام البائد من القصف حتى في أيام العيد. |
|
فالفرحة التي تولد بعد كل هذا الدمار تشعره بغصة؛ غصة من يملك كل أدوات القوة ولم ينجح في كسر إرادة الناس. غصةٌ مكبلة بلا قيد، تدفعه إلى استهداف المدنيين ظنًا منه أنه بقذيفة سيكبح فرحتهم، أو بنيرانه سيطفئ بهجتهم. |
الفرح كسلاح في الحرب النفسية |
|
إن الحروب النفسية – مهما تعددت أشكالها – لا تقل أهمية عن الحروب المباشرة. فإذا كان الهدف منها التأثير في الخصم وإدخاله في دوامة من الشك بين شعبه أو جنوده، أو زعزعة إيمانه بجدوى المواجهة واستمرار المعركة، فهناك نوع آخر أشد إيلامًا في النفوس: الحرب بالفرح. |
|
أن تحارب بفرحتك التي لم يستطع أن يسلبها منك رغم كل عدوانه. أن تحارب بابتسامتك التي تثير غضبه. أن تقاوم بحلوى العيد التي، رغم مرارة الظروف، لم يتغير طعمها ولم يفسد شكلها. |
|
إن أيام العيد نفسها قد تتحول إلى معركة معنوية ضد خصمٍ ظالم؛ فأن تكون سعيدًا فيها، وأن تحيي شعائرها، هو من أبسط الأسلحة وأكثرها تأثيرًا. |
|
فالأعداء، مهما بلغوا من قوة، لن يستطيعوا أن يسلبوا من قومٍ فرحتهم ما لم يتخلّوا هم عنها. ولأنها حرب على أفراحك، فاصنعها. ولأنها حرب على أفكارك، فنمِّها. ولأنها حرب على بلدك، فاحمه. |
|
انتصارات المعتدي المؤقتة |
|
إن نشوة الانتصار المؤقتة التي يشعر بها المعتدي عند استهداف المدنيين في الأعياد ليست إلا مؤشرًا على دنوّ الإنسانية وضحالة الفكر. فالفاشلون، في الغالب، لا يستطيعون إيجاد نصرٍ حقيقي يفرحون به أو انتصار يتغنون به، فيلجؤون إلى هذه الانتصارات الفقيرة ذات النشوة المؤقتة. |
|
فما هي إلا ساعات حتى تذهب السكرة وتأتي الفكرة، ويعود الشعور ذاته من جديد. فالظالم عمومًا لا يهنأ بنصر ظلمه، وكذلك المعتدي حين يظن أنه حرم الناس من فرحة العيد، بينما تعود هذه الفرحة لتولد من جديد رغم الدماء التي سُفكت. |
|
فالمعتدي، مهما بلغت قوته، سيبقى ضعيفًا أمام هذه المشاعر الإنسانية التي لا تدل إلا على شعوبٍ تأبى الموت وتريد الحياة، بكل ما فيها من دمارٍ أو تضحيات. |
|
فالضعيف ليس من لا يملك ما يردع به ظلمه، بل الضعيف هو من يملك كل شيء… ومع ذلك يعجز عن الانتصار أمام طفلة يتيمة تبتسم. |
الخاتمة |
|
وفي النهاية، قد يستطيع المعتدي أن يهدم بيتًا، أو يقصف مدينة، أو يزرع الخوف في لحظة عابرة، لكنه يعجز عن شيء واحد: أن ينتزع من الناس قدرتهم على الفرح. فالفرح ليس ترفًا في زمن الحروب، بل هو إعلانٌ صامت بأن الحياة ما زالت أقوى من الموت، وأن الشعوب التي تعرف كيف تبتسم وسط الركام هي شعوب يصعب كسرها. |
|
ولذلك، حين يصرّ الناس على إحياء العيد رغم الجراح، فهم لا يحتفلون فقط بقدوم يومٍ مبارك، بل يعلنون – دون خطابات – أن إنسانيتهم ما زالت حية، وأن إرادتهم في الحياة أقوى من كل آلة حرب. فالفرح في زمن الحرب ليس مجرد شعور، بل هو – في كثير من الأحيان – أول أشكال الانتصار. |



التعليقات