شـامـل | حين تمطر الضّاد: المنصات الرقمية زهورٌ تلون حروف العربية | العدد #46 |
| 18 ديسمبر 2025 • بواسطة أحـمـد الحـجـيلـي • #العدد 46 • عرض في المتصفح |
|
يُعَدّ اليوم العالمي للغة العربية أحد أبرز الأيام التي نختتم بها عامنا في العالم العربي. وإنّ الاحتفاء بهذا اليوم والاعتزاز به دليل على نضج المؤسسات التعليمية التي باتت تُعِدّ له، وتقدّم خلاله كوكبة من القصائد والمعلّقات التي تُغرس في النشء قيم العربية، ليتذوّقوا طعم بلاغتها وجمال حروفها وأصواتها.وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي إسهامًا كبيرًا في تعزيز جمال الضاد وتنوّع أصواتها، آخذةً السامع إلى تجربة سمعية رشيقة مليئة بالرونق والجمال. لقد غيّرت هذه الوسائل الصورة الجامدة والأكاديمية التي امتزجت فيها الكتب بالخطاب النخبوي، وهي الصورة التي أبقت العربية لعقودٍ منفصلة عن جمهورها، وكأنّها لغة خُصّصت لنخبةٍ دون غيرها. كما عززت كثير من البرامج الثقافية والشعرية هذا الانفصال بعد ظهور التلفزيون، إذ بدت ردود فعل الجمهور بعيدة عن مضمون ما يُقدَّم.غير أنّ هذا كله تبدّد مع دخول مواقع التواصل الاجتماعي، حين امتزجت الأبيات بنغماتٍ موسيقية صنعت تجربة جديدة حققت في بعض الأحيان مشاهدات تفوق ما حققته القنوات بكلّ إمكاناتها. والسؤال الجوهري: أهو سرٌّ في اللغة العربية أم في طريقة تقديمها؟ والجواب يتبيّن واضحًا: السر في المحتوى لا في اللغة، فالعربية ليست جامدة ولا محصورة في قالب واحد؛ بل هي بحرٌ واسع يتلوّن بأكثر من اثنين وعشرين لونًا يعكس تنوّع الثقافات العربية.
|
|
|
البرامج الثقافية بين النخبوية وجمود العرض |
|
إنّ البرامج الثقافية التي أُعِدَّت في العقود الماضية سقطت في فخّ النخبوية، معتمدةً شكلًا واحدًا للغة وطريقة عرض واحدة وأسلوبًا تقليديًا في الأداء. جاء هذا الجمود من البيئة التي أتى منها معظم الإعلاميين والمقدّمين الذين رأوا في الطابع الجاد السبيل الأمثل لتقديم الثقافة، متناسين أن هذا الأسلوب يولّد فجوة بين المعروض والمفهوم. لقد تعامل جيل التسعينات والألفية مع هذه البرامج كما لو أنها كتب مزخرفة لا يُفهم معناها ولا تُدرَك مضامينها. وعلى الرغم من التوازن الذي أحدثته مواقع التواصل الاجتماعي لاحقًا، بقي كثير من الناس ينظرون إلى اللغة والثقافة نظرة تقديرٍ امتزج بها شيء من الملل. فطبيعة تلك البرامج، إلى جانب الجمود المدرسي في تناول العربية، وضعت أبناء جيلي في حالة صدامٍ معها. |
صنّاع المحتوى وكسر الجمود اللغوي |
|
أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في كسر هذا الجمود. فمع بدايات انتشارها كان المحتوى الثقافي قليلًا أو ضعيفًا، أو امتدادًا باهتًا للنمط التلفزيوني القديم. لكنّ المنافسة القوية بين صناع المحتوى، مع فهمٍ أعمق لآليات المنصّات وخوارزمياتها، مكّنت بعضهم من تمرير المحتوى الثقافي بأسلوب مبتكر وجذاب. أحد أبرز الأمثلة الإعلامي السوري أحمد فاخوري، الذي حقّقت مقاطعه الثقافية ملايين المشاهدات، وهو أمر يُعدّ سابقة في فضاءٍ يُفضّل عادةً الكوميديا والترفيه. هذا النجاح يثير تساؤلًا مهمًا: أهو سرٌّ في اللغة العربية أم في طريقة تقديمها؟ والجواب يتبيّن واضحًا: السر في المحتوى لا في اللغة. |
|
العربية بين قالب الصحراء واتساع العالم |
|
لقد ساهمت بعض الجهات الإعلامية، ولو بشكل غير مقصود، في تكريس صورة باهتة عن اللغة والثقافة العربية؛ صورة ترتبط بالصحراء، واللون البني، وديكورات المكتبات التراثية، والمشاهد المتكررة التي رافقت برامج التسعينات. هذا الأسلوب – رغم جماله لمحبيه – لا يمثل إلا نمطًا واحدًا من التعبير البصري. فاللغة العربية أعمق وأوسع من أن تُحصر في خلفية تراثية واحدة. ما المانع أن يُصوَّر الأدب العربي في شوارع لندن؟ أو أن يُمزج بقوالب عصرية تُخاطب الشباب اليوم؟ تجربة أمجد النور على منصة الجزيرة 360 مثال بديع على هذا التجديد؛ إذ قدّم قصائده بأسلوب بصري شبابيّ، وموسيقى حديثة، وإخراج يليق بجمال النص وروحه. أحبّ الناس هذا اللون الجديد لأنه أعاد الحياة إلى العربية من خلال بيئة بصرية حديثة لا تعادي التراث، بل تحرّره من قوالبه القديمة. بهذا المعنى، يصبح التغيير ليس خروجًا عن الجذور، بل عودة إليها بروح مختلفة، وروح تُشبه زمنها. |
الخاتمة |
|
لقد أثبتت العربية اليوم، كما أثبتت أمس، أنها ليست لغة تنحصر في قوالب جامدة، ولا تُعجِزها الأزمنة ولا تغيّرها الأدوات. فكما بدأت رحلتها الأولى في أصوات الشعراء وخيام البادية، ها هي تعود اليوم في شكل جديد عبر منصّات لا تعترف بالحدود ولا بالفوارق. إنّ ما تصنعه وسائل التواصل من تجديدٍ في طرق التلقّي ليس مخالفة لجوهر العربية، بل امتداد طبيعيّ لروحها الحيّة. |
|
وفي يوم اللغة العربية، ندرك أنّ جمال الضاد لا يكتمل حين نضعها في متحفٍ أو في كتابٍ مغلق، بل حين نسمح لها بأن تعيش في صوت الناس، في قصائدهم، في موسيقاهم، وفي نبض حياتهم اليومية. بذلك فقط تستعيد العربية مكانها الحقيقي: لغة تُشبهنا، وتنمو معنا، وتبقى، مهما تغيّر الزمن، مصدرًا للجمال الذي لا يزول. |



التعليقات