مُدوَّنة بَصِيرة 🍀 - خاطرة صيفية |
21 يونيو 2025 • بواسطة بَصِيرة • #العدد 5 • عرض في المتصفح |
المراكز الصيفية واعتذار المربين
|
|
المراكز الصيفية واعتذار المربين |
تمهيد،، |
الحمد لله،، |
فكثيراً ما يحصل ارتباك في الأوساط التربوية عند بدء النوادي الصيفية فيتفاجئ المحضن التربوي بغصة متعبة وهي اعتذار بعض المربين عن النادي بحجج مختلفة ما بين رؤية بعدم جدوى هذه النوادي أو أنها مشغلة للمربي مهلكة له فلو انشغل بما ينفعه في هذا الوقت لكان خيراً له من المشاركة في النادي الصيفي أو أنه غير قادر على العطاء والبذل فيها والساحة لا تناسبه وفيما تبقى من المربين غُنية |
فسألني بعض الإخوة أن اكتب في ذلك شيئاً |
فأقول وبالله التوفيق وعليه الاعتماد،، |
المربي وانتقاء البذل: |
اعلم أيها المبارك أن الدعوة لا تقوم إلا على ألوان من البذل والتضحية بشتى صنوفها واعلم أن المربي ينفق جميع ما لديه في سراءه وضراءه لإجل هذا الدين ،فتأمل حديث أنس ـ رضي الله عنه - في صحيح مسلم قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام شيئاً إلا أعـطــــــاه" |
وعنه في صحيح البخاري قال: "إن كـانـت الأَمَــةُ من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت" |
فـكــان صلى الله عليه وسلم باذلاً لجــاهــــه ووقته وراحته وماله... في سبيل مرضاة الله تعالى ودعوة خلقه، فتأمل حال خير الورى وحالنا وكيف هو بذلنا لهذا الدين |
ثم ما كان عليه حال الصحابة وما ساموه من العذاب والأذى في سبيل رفع راية الدين فيـخـــــرج بعضهم إلى الحبشة طلباً للنصرة، ويصبرون على مفارقة الأهل والأولاد والأوطان، ويهاجر صلى الله عليه وسلم فيهاجرون، ثم يكابدون الغربة، وكثرة الأعداء، وأذى المنافقين واليهود، وقتال الأهل والعشيرة،كل ذلك في سبيل إعلاء كلمة الله، من غير انتقاء ولا تململ بل في صورة هي في غاية الإشراق في البذل لهذا الدين |
وقفوا على هام الزمان |
رجالا يتوثبون تطلعاً ونضالا |
وحي السماء يجيش في أعماقهم |
ونداؤه من فوقه يتعالى |
باعوا النفوس لربهم واستمسكوا. |
بكتابه واستقبلوا الأهوال |
فيا أيها الموفق،، |
اعلم أن دون الشهد إبر النحل، ومن رام اللآلئ زج بنفسه البحر، وما العز إلا تحت ثوب الكد، ولن يدرك البطّال منازل الأبطال، وعند تقلب الأحوال تعرف جواهر الرجال، والسيل حرب للمكان العالي |
ولا تطلب السلعة الغالية بالثمن التافه |
فإذا نظرت أيها المبارك لبذل السادات الأوائل وإقبالهم على البذل لهذا الدين من غير انتقاء فأين أنت منهم؟ |
فما إن يعرض للمربي في ميدانيه الدعوي أدنى تعب أو أدنى عدم رغبه أو محبة تنكّس واعتذر وجمع الحجج والبراهين لذلك أوَ هكذا يكون البذل للدين؟؟ ،، أوَ هكذا كان السادات الأول؟؟،، فتأمل حالك وحالهم واعلم أن الميدان التربوي لا يؤتي ثمارهُ وأُكله إلا بقدر تضحيتك وبذلِك فيه،، فيما تحب وما لا تحب غايتك كل غايتك رفع راية الدين وإصلاح شباب المسلمين بكل وسيلة متاحة بين يديك |
أما أن يقعد الواحد منا ريّان شبعان متكئاً على أريكته، لا يقوم في تربيته للجيل إلا بما يحب فإذا ما طلب منه رفع راية دينه في ميدان، أو كلف بمهمة لا تروق له، أو عوتب في بعده عن العمل، اندفع كالسهم مردداً: {ولنفسك عليك حق} وكأنه لا يحفظ من القرآن والسنة الصحيحة غيره والسبب؟ |
انتقاء مقييييت وحجج واهيية لا أصل لها ولا برهان. |
فما أحذو لك الأمثال إلا |
لتحذو إن حذوت على مثال |
تريد التمر دون غراس نخلٍ |
ولا حتى لجذع النخل هزا |
إذا رمت العلا من غير بذلٍ |
فنم واحلم وكل لحماً وأرزا |
فلا تعش لنفسك فقط، فإن الذي يعيش لنفسه، قد يعيش مستريحاً، لكنه يعيش حقيراً ويموت حقيراً، أما من تحمل عبء تعبيد الناس لله رب العالمين، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، |
فماله وللنوم،،؟ |
وماله وللراحة،،؟ |
ماله وللفراش الدافئ، والعيش الهادئ، والمتاع المريح،،؟ |
وقد تهيأ للسباق في ميادين البذل لهذا الدين، ورفعت له أعلام السعادة |
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: |
مسألة في المرابطة بالثغور أفضل أم المجاورة بمكة شرفها الله تعالى؟ |
الجواب |
"الحمد لله. المرابطة في ثغور المسلمين أفضل من المجاورة في الحرمين باتفاق أئمة المسلمين أهل المذاهب الأربعة وغيرهم. وليست هذه المسألة من المشكلات عند من يعرف دين الإسلام" جامع المسائل (٥/٣٣٨) |
المربي ووهم عدم الجدوى: |
فإن مما يروج لدى العاملين في الميدان التربوي في الفترة الصيفية أن النوادي الصيفية لا جدوى منها ويغلب عليها الجانب الترفيهي على الجانب التوجيهي،، وهذا وهم لا أصل له نتج عنه انسحاب بعض المربين في فترة الصيف لأجل هذه الحجة ويمكن نقضها بعدد من الوجوه منها:- |
1. ما اعتاد المربي عليه في الفصول الدراسية لا يلزم منه أن يكون هو العمل المجدي في التربية، فكما استطاع المربي أن يؤثر بعد توفيق الله على المربين في الفصول فما الذي يمنعه من التأثير عليهم في الصيف، وكما استطاع من إيجاد وإبتكار وسائل تناسب الفصل للتأثير فماله قد عجز عنها في الصيف بما يناسبه؟، أم أن هوى النفس قد غلب والركون إلا الدعة والراحة قد ساد؟ |
2. فتره الصيف هي فترة ذهبية لقفزات إيمانية معرفية للمتربين فهو الآن يغلب على وقته الفراغ وبحاجة إلا من يوجهه ويرشده لاستغلال فترات فراغه الغارقة في وحل الملهيات،، والنادي لا يشغل من وقته إلا أربعة أيام في الأسبوع ومن بعد صلاة العصر فأين أنت يا مدعي عدم الجدوى عن استغلال الأيام والأوقات الباقية في اصلاح طلابك ،، أولما أرادوك غبت عنهم؟ ،، أولما اقبلوا انشغلت عنهم!!،، |
وبعدها لا تسل عن ضعف الخرجات وضياع الأوقات في فترة الصيف،، جلست مع أحد أولياء الأمور مرة في الصيف فكان يتشكر ويثني على ما يبذل ثم قال كلمة غص بها حلقي وتلعثم لساني عن الحديث قال: (إلا أبو فلان وينه كان مع ولدي في التدريب وفقدناه في الصيف، ليتك تكلمه يجلس مع الولد عشان يحط له أهداف معرفية ترى الولد فاضي) فدونك السؤال وعليك الإجابة :) |
3. في الصيف يتمكن المربي من الغرس والتغيير في طلابه عبر جلوسهم معه في سيارته ذهاباً و إياباً من النادي، ما لا يتهيأ له في غيره، فأين أنت عن تهيئة سيارتك لغرس القيم فيها، وقد تحصل لك من الوقت معهم ما لم يتحصل لك في الفصل الدارسي فهم يركبون معك أربعة أيام في الأسبوع وعدد أسابيع النادي ثلاث = (١٢ يوماً) وهم بين يديك يرقبون توجيهك وغرسك، هذا من غير ذكر الركوب للذهاب للدورة المكثفة أو غيرها، وهذا ما لا يتحصل لك في الفصل الدراسي والذي مجمل ركوبهم معك (٨-٩) تنقص وتزيد،، فيامن أمتلأ ذهنه بدعوى عدم الجدوى أوَ عملت وهيأت مملكتك التربوية الخاصة للغرس والتقويم أم قعدت مع زمرة المتشككين المتوهمين. |
4. إن من أكبر مقاليع الصلاح لدى المتربين الفراغ وبعد المربي الحاذق عنهم من غير توجيه أو استصلاح،، فقل لي أيها الموفق من لطلابك الغارقين في فترة الصيف إن ابتعدت عنهم وابقيتهم متعطشين لمن ابقيتهم؟، إن اعتذر كل واحد منّا عن هذا العمل من سيبقى لهم أوَ تتركهم للسراب،، أيها المربي الفاضل لا أخالك أن تكون ممن يبيع همه الدعوي في الصيف ويقول له بلسان الحال أو المقال (موعدنا بداية الفصل) فهل هذا هو البذل للدين؟، أيها الموفق العمل للدين لا يعرف وقتاً دون وقت أو مكان دون مكان،، بل إن العاملين فيه يعملون في كل مكان وزمان حسب الإمكان وقودهم ابتغاء رضا الله والدار الآخره، ومناهم توفيقه عز وجل لهم،، والله المستعان. |
5. لا يمكن التسليم بأن النوادي أكثر ما فيها ترفيهي فهي لا تخلو من برامج نافعة للمتربي، ثم إن سلمنا ذلك الأمر فهي لا تخلو من وقت يستطيع المربي أن يبث فيه بعض التوجيه والإرشاد للمتربين والنماذج كثيرة منها:- |
- المتربي الذي يتسكع في أرجاء النادي أين أنت عن توجيهه والجلوس معه والتأثير عليه. |
- التأثير على المتربي في فترة العصر أو البرامج المتنوعة. |
- التأثير على المتربي بالقدوة في الصلاة والأخلاق في البرامج. |
- التأثير على المتربي أثناء الانتقالات والبينيات بين البرامج |
- وغيرها الكثير وعليك التفكير :) |
أيها المربي إن أخلصت النية واحسنت القصد فإن ربك عز وجل جواد كريم مطلع عليك لا يخيب لك تعبا وستجد من البركة والتيسير والتأثير الشيء الكثير ولو ظننت أن الأثر لا يكافئ العمل،، ولكن إرادة الله عز وجل فوق كل إرادة |
المربي ودعوى الإشغال: |
يذكر بعض المربين أن الصيف فرص للارتقاء المعرفي والعلمي والعمل مع الشباب يشكل عائقاً لذلك الارتقاء ويكون مشغلاً للشخص عن ذلك، فأجيب عن ذلك بالقاعدة الأصولية (لايصار للترجيح إلا عند تعذر الجمع) فهل سعيت أيها المربي للجمع بل حاولت أدنى محاولة في ذلك أم أنك قد ركنت إلى الحلول السهلة كما هو حال الكثير وكنت مولع بها، وهل أنت طالب علم أو معرفة صيفية أم طالب لها كل حين فما بك لم تفق إلا الآن أم أن الهوى قد غلب والنفس الأمارة بالسوء قد أمرت |
ثم من أوهمك أن العمل في الميدان التربوي كان عائقاً؟،، |
نعم قد يكون العمل عائقاً حسياً لكن أغفلِتَ عن الأسباب المعنوية فالأسباب المعنوية الشرعية تتجاوز التأثير في الأسباب المادية |
فهي أشد أثراً على تحصيلك المعرفي والعلمي والله عز وجل لا يخيّب باذلاً لدينه بل يذلل له العلم تذليلا ويقذف النور في صدره |
ايرى عز وجل إقبال عبده على استصلاح عباده وهديهم إلى الصراط المستقيم ولا يعينه في طلبه للعلم وارتقائه فيه تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا |
فإن أبيت إلا تعذر الجمع فاترك العمل إن لم تستطع حمله بحلوه ومرّه، وتفرغ للعلم والطرس :) |
وإليك ما يروي عامر الشعبي،، |
أن رجالا من الصالحين خرجوا من الكوفة ونزلوا قريباً يتعبدون فبلغ ذلك أبا عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: معاتبا ما حملكم على ما صنعتم فقالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد فقال لهم: "لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو ما أنا ببارح فارجعوا" |
وإني أستصرخك أيها المربي صرخة تحوي قالة ابن مسعود رضي الله عنه |
يا معتكفاً على الدرس والطِرس انهض وامشِ في الأسواق |
يا رياحين الشباب كونوا حنظلا يتجرعه كل مبطل |
(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) |
أمش أيها المربي في كل طريق واسلك كل فج اقطع سياج العزلة المرادة لك وزاحم أهل الباطل في كل ناد وطريق، فإني أحلف لك غير حانث ما اتسع ميدان للبطلة إلا وهو للبررة أوسع |
ثم اعلم يا من اعتزلت ميدانك التربوي في الصيف،، |
تمنعت عن أداء زكاة معارفك وخبراتك وقد حالت عليها أحوال،، |
ثم أجبني ماذا بعد المساجد؟ وماذا بعد المكاتب؟ وماذا بعد مجالس المدارسة؟ الجواب الكامل المفترض: |
المشي في الأسواق (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) |
يا من عايش الشباب في الصيف أثبت ولو حطمك الناس وإياك إياك والعزلة،، |
يا من سعى في إصلاح الشباب في الصيف أثبت ولو زلّت من حولك أقدام وإياك إياك والعزلة،، |
لا عزلة في الإسلام فالعزلة مُنوة الأعداء فلإن أبيت إلا العزلة فأجب ابن مسعود رضي الله عنه: من كان يقاتل العدو إذاً؟، |
ارجع فما أنا ببارح.. |
ختاماً،، |
إن الميدان التربوي لايقوم قوامه، ويشتد عوده، إلا ببذل رجاله الأشداء فيه في كل زمان ومكان فإن غاب الأشداء وبقي الضعفاء و بعض الأشداء ممن لا يقوم العمل التربوي بهم في الصيف، فلا تسل عن ضعف البرامج وركاكة المخرجات، وبُعدِ الأثر والتوجيه السليم للمتربين،، فهذا والله أشد الخذلان للعمل لدين الله وتمام الغبن والخسران والنقص للمربي الذي فرط بهذه الجوهرة الثمينة التي كانت بين يديه يقدر على استصلاحها وتقويمها وزرع الخير فيها،بحجج واهية لم يبذل أدنى جهد في دفعها ولا حول ولا قوة إلا بالله،، |
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾،،﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ |
إنَّك أيها المربي لتستريح وتطمئن نفسًا، وتهنأ بالًا؛ إذا أيقنت أنك مأجورٌ على البلاغ لا على النتيجة، ولتعتبر بأنصح البشر: أنبياء ربِّ البشر، إذ يأتي أحدهم يوم القيامة وليس معه أحد، لا عن تقصيرٍ في البلاغ، وإنما عن إرادة ربِّ القلوبِ وهو حسبنا ونعم الوكيل. |
صاحب المحبرة |
مسجد الإحسان |
1446/12/15هـ |
التعليقات