جارٍ التحميل…

مُدوَّنة بَصِيرة 🍀 - حين ينقسم الداخل

30 مارس 2026 بواسطة بَصِيرة #العدد 6 عرض في المتصفح
ازدواجية الشاب المعاصر: حين ينقسم الداخل..

ازدواجية الشاب المعاصر: حين ينقسم الداخل

(أيُّ صراعٍ يسكنهم؟)

للنفس تقلّباتها، وللقلب إقباله وإدباره، وللعمر مراحله التي لا تمرّ سكونًا، بل تتبدّل فيها المعاني، وتضطرب فيها الموازين، حتى يغدو الإنسان غريبًا عن بعضه، يعرف شيئًا من نفسه ويجهل أشياء، ويُقبل بوجهٍ ويُدبر بآخر، وأشدّ تلك المراحل اضطرابًا وأعظمها أثرًا ما يكون في أوائل التشكّل، حين لا يكتمل الوعي، ولا يستقرّ الشعور، ولا تثبت القيم في مواضعها بعد، هناك حيث المراهق، لا كما يُرى من ظاهره، بل كما يعتمل في داخله!

فهو ليس واحدًا كما يبدو، بل هو بين صورتين؛

يعرف ويجهل، يريد ويتراجع، يُقبل ثم يفرّ، ويحمل في صدره من التناقض ما لو نُطق به لحيّر سامعه، يُحدّث نفسه بالثبات ويضعف عند أول اختبار، يرى الحق واضحًا ثم يزيغ عنه كأنما لم يره، ويشعر بندمٍ صادق لكنه لا يمنعه من عودةٍ قريبة لما ندم عليه، فأيُّ ازدواجٍ هذا الذي يسكنه؟ وأيُّ صراعٍ يُدار في صدره دون أن يُرى؟

ليس هذا ضعفًا مجردًا، ولا تهاونًا مقصودًا، بل هو انقسامٌ داخلي تتجاذبه فيه قوى متباينة، قلبٌ لم يصفُ بعد، وعقلٌ لم يكتمل، ونفسٌ تتلمّس طريقها بين لذّةٍ عاجلة ومعنى غائب، وفي زمنٍ تكاثرت فيه الفتن، وتزاحمت فيه الصور، وتسارعت فيه النداءات، صار هذا الصراع أشدّ وطأة وأثقل حضورًا، فلم يعد المراهق يواجه نفسه فقط، بل يواجه عالمًا يفتح له كل الأبواب ثم يتركه حائرًا بينها، يُعرض عليه الكثير ويُيسّر له الوصول وتُزيَّن له الطرق حتى يختلط عليه القريب بالنافع واللذيذ بالصحيح والاختيار بالانجراف..

وهنا لا يضيع فقط من لا يعلم، بل قد يتعثّر من يعلم، لأن المعرفة وحدها لا تصنع ثباتًا، كما أن الشعور وحده لا يحمي من السقوط، فيزداد الانقسام: جانبٌ فيه حياءٌ وخشية، وجانبٌ فيه جرأةٌ واندفاع، فإن غلب أحدهما لحظة عاد الآخر ينازعه بعدها، وكأن النفس لا ترضى أن تستقرّ على حال، وهذا ما لا يُرى غالبًا، فكم من شاب هادئ في ظاهره، وفي داخله ضجيج لا يهدأ، وكم من مُقبل بوجهه، وفي صدره تردّد ينهكه، وكم من صامت ولو نطق لقال ما يُفزع من صدقه !

وهنا موضع نظر المربّي، لا إلى ما يظهر فقط، بل إلى ما يُخفى، فليس المقصود أن يُقوَّم السلوك وحده، بل أن يُفهم هذا الانقسام، ويُرى هذا الصراع، ويُعان صاحبه على أن يجتمع بعد تفرّق ويهدأ بعد اضطراب، لأن المراهق لا يحتاج دائمًا من يقول له: افعل ولا تفعل، بقدر ما يحتاج من يُعينه أن يفهم لماذا يريد ولماذا لا يفعل، أن يرى نفسه بوضوح، وأن يُدلّ على طريقٍ يُصالح فيه قلبه، لا أن يبقى ممزّقًا بين ما يعرفه وما يعيشه، يمنحه مساحة يرى فيها نفسه ويكتشف خياراته، لا أن يُسلب منه القدرة على الاختيار، *فالاستماع والملاحظة والوعي بنفوسهم أداة إصلاح عميقة، وفهم هذا الانقسام هو المفتاح لأي تصحيح حقيقي..*

فأيّ تربية نأملها إذا غفلنا عن الصراع الذي يسكن الداخل؟ وأي إصلاح نرجوه إذا لم نرافق من يعيشه ونرشد بصمت ووعي؟ إن من أراد أن يكون مربّيًا بحق عليه أن يرى أكثر من الظاهر..

فإن طال هذا الانقسام واعتاد الإنسان أن يعيش بوجهين، خَفَت صوت الصراع مع الوقت، لا لأنه انتهى، بل لأنه خبا تحت ركام الاعتياد، وحينها لا يكون الخطر في الوقوع، بل في أن لا يشعر أنه وقع..

فهل نُدرك ما يدور في صدورهم قبل أن يسكن؟

وهل نرى هذا الصراع قبل أن يتحوّل إلى صمتٍ بارد؟

أم ننتظر حتى ينطفئ ذلك الاضطراب فنظنّه طمأنينة؟

وختامًا..

النفس الغير سوية لاتُخرج متدينًا سويًا

1447/10/10 هـ

ابو إبراهيم التميمي

مُدوَّنة بَصِيرة 🍀

مُدوَّنة بَصِيرة 🍀

مُدوَّنة لتخليد الأثر التربوي

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات …

المزيد من مُدوَّنة بَصِيرة 🍀