العادية - العدد #66

29 يناير 2026 بواسطة عهد #العدد 66 عرض في المتصفح
عيّن خير!

في منيو أحد المطاعم توجد ساندوتش دجاج «سبيشال» وتوجد «العادية»، وعندما جربتهما، وجدت أن الفرق.. شريحة جبنة. 

بين المميز والسيء.. عادي

عندما تجلت شمس ٢٠٢٦ الجديدة، لعلها أتت بوتيرة عملٍ عالية ومشاعر العام الماضي متراكمة، إلا أنني خلال الأسبوعين الماضية وقفت في وجه أمواجها الهائجة تحت شعار «عـــــادي». هذه «العادية» التي تنقذ الليلة، وتذكرنا بأنه لا بــــــــــــــــأس في الخطأ والنسيان، بل حتى أن لا بأس في أن نكون في الصنف الوسطاني ولا يتعين أن نكون/نسعى للمثالية والقمة 7/24. 

إلا أنه بين طمع الإنسان وأدلجته على وجوبية السعي الحثيث الجنوني، نسينا تطبيع العادية. نمَت أول ملامحها في المراحل الدراسية الأولى من حياتنا، عندما بُجل الطالب الممتاز وسُفل بالطالب الضعيف، وبينهما كان الطالب المتوسط. هذا الذي اشعرنا بحتمية أن نكون من الحزب الأول لا الثاني، إلا أننا لم نتعلم أنه «لا بأس» بأن نكون طلاب عاديين. وأعتقد -وهي اعتقادات شخصية بالمناسبة- طغى وزاد الموضوع لنصل إلى اليوم الذي جميعنا نسعى فيه لنتسع في صورةٍ وحدة للنجاح، أن نكون مثلًا جميعنا تجار ونفتح «البزنس» المليوني، وأن نحصل على وظيفة بمطل باهي ومرتب عالي، وحبذا لو شملت سفرات عمل لطوكيو وباريس من حين لآخر. وتطول القائمة تُغذيها نفوسنا المتعطشة وشياطيننا الجاحدة، وتلعب -وهي رأس الحربة هنا- منصات التواصل الاجتماعي في تعظيم هذه الأهداف.. بينما الواقع يقول «بس ترى حياتك الآن هي الطبيعية والعادية» وما دونها أرزاق مختلفة، لا تنفي جمالها ولكن لا تفرض وجوبها. 

هذه شخصية انتشرت قبل مدة طويلة بمسمى: الرررايق، للنشرة الرايقة

هذه شخصية انتشرت قبل مدة طويلة بمسمى: الرررايق، للنشرة الرايقة

تطبيع العادية

المسألة هنا ليست تحبيط، تحبيط ألا تحلم وتسعى وتنتج، لكنها على العكس تلمس وترين حياتية من منظوري هامة جدًا. الوتر الأول، هوس المثالية، هذا الهوس الناجم عن سعينا الأعمى في الحياة. أذكر مرة قرأت مقولة «نحن من نعطي للأشياء معنى»، هذا المعنى الذي نبالغ في تفسيره لتصالنا نيرانه بأثارٍ عكسية. تخيل معي مثلًا اصرارك الدائم أن كل عمل تقدمه يجب أن يكون 100٪.. افتراضيًا يبدو هدف ممتاز، لكن واقعيًا؟ أنت تدفع ذاتك إلى أقصاها، ويصبح الخطأ عدوك اللدود، والتدقيق القلِق صديقك الصدوق؛ لتصل إلى مرحلة عظمت فيها هذا الهدف للحد الذي يستنزفك.. هل كان يستحق؟ بينما لو ظل لديك نفس الهدف لكنك أكثر تسامح لـ «عادية» ورود الأخطاء لكان أسهل عليك وعلينا وعلى الدنيا.

الوتر الثاني، يلمس جانب من جوانب نمط الحياة البطيء. تقولي كيف؟ تمسكنا وحرصنا بالأمور ممتاز وينم عن الإخلاص والجدية، لكنه إن زاد عن حدة -وهذا الغالب- يهيض بعلاقةٍ طردية التوتر والقلق. قلق هل أنا في المسار الصحيح؟ هل أنا صح/خطأ؟ هل أنجزت بما فيه الكفاية؟ وهل وهل وهل، هذه الأهلات التي تقودنا بلا وعي نحو العجلة واستنزاف وقتنا وطاقتنا، وتُنسينا «تطبيع عادية الحياة». فعادي أن لا نكون كلنا أثرياء، وعادي أن لا نتخرج جميعنا في ذا الوقت، وعادي أن لفلان وظيفته ولي وظيفتي، وأن لعلان قدره ولي قدري، ولكلٍ نصيبه من الحياة. يذكرني هذا السياق بعددٍ سابق «خطوات الدودة» #38..

هذا التعرض اليومي للمظاهر -والطبقات- يجعلنا في سباقٍ نفسي مع أنفسنا. سباق يسرق منا حقيقة بطىء الخطوات، ويغمرنا في دوامة السرعة والسباق مع الزمن، ليسرقنا من اللحظة ويتركنا في قواقع الهواجيس-والطمع أحيانًا-. هذا مثلًا الدافع الأكبر لما يسمى اليوم بـ «نمط الحياة البطيء» وفي رواية أخرى كلام أجدادنا يوم يقولون «عيّن من الله خير»

كاتبتكم المعهودة

عيّن خير

أذكر مرة جلست قلقة من اختبارٍ صعب -لا اتذكره حتى!- مهمومة ومتكدرة، وعندما رأني والدي قال «امتحانات الحياة أكبر». لم أفهم حينها المعنى، لكنه -وبسابق العمر- يعلم أن الحياة مستمرة رغم القلق، وأن امتحاناتها كذلك مستمرة، وتعظيم أمر اليوم لا ينفي/يحمي من صعوبة الغد. والأصح.. أن نقول لكل ما يؤرقنا عــــــــــــــــــــــــــادي! لنخفف ونهون ونمضي. يقولون في مجتمعنا «دامك تقدر تمشيها.. مشّها» .. ويا له من قول!

ختامًا، لتطبيع العادية ونمط الحياة البطيئة علاقة تستوجب الحث ولزوم الكتابة، ولو عندك في هذا الصدد رأي لابد أن تشاركني إياه بالتعليق على النشرة أو الرد على الإيميل.

كاتبتكم المعهودة والمعينة خير -قدر الاستطاعة-: عهد🌷

*إذا اعجبتك هذه النشرة أطّلع على أخواتها السابقات (:

المعنى- العدد #62 - نشرة نَجوى عهد | هدهد

عن البحث في طيّات المعاني!
gohodhod.com

خطوات الدودة🐛- العدد #38 - نشرة نَجوى عهد | هدهد

خميسكم سعيد(:
gohodhod.com
مشاركة
نشرة نَجوى عهد

نشرة نَجوى عهد

نشرة خميسية تضم تأملاتي الذاتية والكونية وحتى التهكمية!

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة نَجوى عهد