أثر تحمّل المسؤولية في بناء الشخصية

18 مارس 2026 بواسطة صعود #العدد 29 عرض في المتصفح
تحمّل المسؤولية يجعل العقل أكثر هدوءًا ويمنح الإنسان رؤية أوضح للأمور؛ إذ يخفف من حدة الانفعالات ويتيح فرصة للتفكير الإيجابي البنّاء. وغالبًا ما يؤدي تحمّل المسؤولية إلى إدراك ما ينبغي القيام به لمعالجة تداعيات أي موقف. وكلما ازداد تحمّل الإنسان للمسؤوليات أصبح أكثر قدرة على التحكم في مجريات حياته، وبالتالي أكثر حرية في اتخاذ قراراته بنفسه.

وتُعرَّف المسؤولية بأنها كون الفرد مُكلَّفًا بالقيام ببعض الأعمال، ومطالبًا بتقديم حساب عنها لغيره. ويترتب على هذا التعريف أن مفهوم المسؤولية يقوم على علاقة مزدوجة؛ تتمثل في علاقة الفرد بأفعاله التي يتحمل نتائجها، وعلاقته بمن يقومون بتقييم هذه الأفعال والحكم عليها.

كما تعني المسؤولية قدرة الإنسان على أن يُلزم نفسه أولًا، ثم قدرته بعد ذلك على الوفاء بهذا الالتزام من خلال جهوده الخاصة. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى:

﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36].

ويمارس كل فرد في المجتمع، ذكراً كان أو أنثى، مجموعة من المسؤوليات التي يفرضها عليه موقعه الاجتماعي وقدراته المختلفة. ويؤدي إدراك الفرد لمسؤولياته وفهمه لها، مع حرصه على تحقيق المصلحة والفائدة المرجوة منها، إلى بناء مجتمع متعاون وفعّال تسوده مشاعر الانسجام والمودة بين أفراده.

وقد أقرت الشريعة الإسلامية مبدأ المسؤولية الشاملة في المجتمع، حيث حمّلت كل فرد مجموعة من المسؤوليات التي تتناسب مع موقعه وقدراته، سواء في شؤون الدنيا أو في الآخرة. ويُعد الحديث النبوي الآتي من الأصول الشرعية التي تؤكد هذا المبدأ.

فقد رُوي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته؛ الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته.”

ويقابل تقبّل المسؤولية الميل إلى البحث عن الأعذار وإلقاء اللوم على الآخرين أو على الظروف والأحداث التي يمر بها الإنسان في حياته. وبما أن كثيرًا من سلوكيات الإنسان تتحول إلى عادات مع مرور الوقت، فإن الاعتياد على تقديم الأعذار يؤدي في المقابل إلى ترسيخ عادة التهرب من المسؤولية.

وعندما يضع هذا النوع من الأشخاص هدفًا لنفسه، فإنه غالبًا ما يقرنه بعذر مسبق يستخدمه في حال واجه صعوبة في تحقيق الهدف، أو احتاج إلى قدرات ذاتية أعلى أو درجة أكبر من المثابرة مما كان يتوقع. وبمجرد أن تسير الأمور بصورة غير مرضية، يلجأ الأشخاص غير المسؤولين إلى تقديم الأعذار حفاظًا على صورتهم أمام الآخرين، إلا أن هذا الأسلوب لا يجدي نفعًا على المدى البعيد.

وتختلف القدرة على تحمّل المسؤولية من شخص إلى آخر، حيث يشير خبراء التنمية البشرية إلى أنها تظهر بدرجات متفاوتة بين الأفراد. ويتجلى ذلك بوضوح في مجالات العمل أو في تحمّل الرجل لأعباء أسرته؛ إذ يفتقر بعض الأشخاص إلى الشجاعة والجرأة في مواجهة الأزمات، وقد يتحول الأمر في بعض الأحيان إلى نوع من الخوف المرضي الذي يدفعهم إلى الانسحاب دون اتخاذ أي قرار.

كما تشير بعض الدراسات إلى أن هناك أشخاصًا يولدون بدرجة عالية من الحساسية تجاه الضغوط التي يتعرض لها الإنسان في حياته. ويظهر ذلك عندما يواجهون مواقف تتطلب منهم المواجهة وتحمل المسؤولية، حيث يصيبهم توتر وقلق شديدان، ولا يجدون مخرجًا من هذه المواقف سوى الهروب منها، مما يجعلهم عرضة للانتقاد والاتهام بالتقصير نتيجة تهربهم المستمر من مسؤولياتهم.

ويفسر علماء النفس هذا السلوك بأنه ناتج عن رغبة الفرد في إخفاء عيوبه ونقاط ضعفه التي يركز عليها بشكل مفرط. وقد تتفاقم هذه الصفة بصورة أكبر إذا اتصف بها الرجل، إذ قد يلقي بكامل أعباء المسؤولية على زوجته، ويعتمد عليها في شؤون الأسرة المختلفة ليظل هو بعيدًا عن ضغوط الحياة الأسرية، ويصبح غير معتمد عليه. 

نشرة صعود البريدية

نشرة صعود البريدية

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة صعود البريدية