طريقة تفكيرنا ومشاعرنا… كيف تؤثر على قراراتنا؟

4 مارس 2026 بواسطة صعود #العدد 27 عرض في المتصفح
تلعب المشاعر دورًا خفيًا لكنه بالغ الأثر في توجيه قرارات الإنسان وسلوكياته اليومية. فكثيرًا ما يتخذ الأفراد قرارات أو يمارسون أفعالًا لا تعكس بالضرورة تفكيرهم المنطقي المسبق، ليكتشفوا لاحقًا أن الانفعالات العاطفية — سواء كانت حماسًا، غضبًا، خوفًا، أو حزنًا — قد أسهمت بشكل مباشر في توجيه تلك القرارات.ويؤكد علم النفس الحديث أن المشاعر ليست عنصرًا هامشيًا في التفكير الإنساني، بل مكوّنًا أساسيًا يؤثر في طريقة إدراكنا للواقع ومعالجتنا للمعلومات.

أثر المشاعر في التفكير والسلوك:

تشير الدراسات النفسية إلى أن المشاعر تؤثر بعمق في عملية اتخاذ القرار. فعندما يكون الفرد في حالة من المشاعر الإيجابية، مثل السعادة أو الرضا، يميل إلى تبني قرارات أكثر تفاؤلًا وانفتاحًا على الفرص، ويظهر استعدادًا أكبر لمواجهة التحديات والمخاطر.

وعلى النقيض من ذلك، تؤدي المشاعر السلبية، كالخوف أو القلق أو الحزن، إلى زيادة الحذر والانكفاء، مما قد ينتج عنه تردد أو قرارات دفاعية تختلف جذريًا عن تلك التي قد تُتخذ في حالات الاستقرار النفسي.

وتتداخل المشاعر مع العمليات العقلية المعقدة، فتؤثر في كيفية تفسير المعلومات وتقييم البدائل، وقد تقود إلى انحيازات معرفية تقلل من موضوعية الحكم. فعلى سبيل المثال، يُعرف عن الغضب أنه يضع العقل في حالة استنفار عاطفي، ما يدفع إلى ردود فعل سريعة وغير مدروسة، في حين يعزز الخوف النزعة إلى تجنب المخاطر حتى وإن كانت محدودة.

السيطرة على المشاعر وتوجيهها:

تناول علماء النفس مسألة إدارة المشاعر من خلال عدد من النظريات، من أبرزها “نظرية إدارة المشاعر”، التي تؤكد أن الوعي بالمشاعر وتحديد مصادرها بدقة يُعدّان مفتاحًا أساسيًا للحد من تأثيرها السلبي. فحين يدرك الإنسان طبيعة مشاعره وأسبابها، يصبح أكثر قدرة على التحكم في ردود أفعاله، والانتقال من الانفعال إلى التفكير المتزن.

وتوضح الأبحاث أن الأفراد الذين يمتلكون مهارات أعلى في التعرف على مشاعرهم وتنظيمها يتخذون قرارات أكثر حكمة واتزانًا. إذ يتيح لهم هذا الوعي العاطفي التمهل قبل الاستجابة، وفهم أن بعض المشاعر قد تكون مؤقتة أو ناتجة عن ظروف خارجية عابرة، مما يساعدهم على رؤية الصورة الكاملة بعيدًا عن الاندفاع.

أدلة بحثية:

في دراسة أُجريت بجامعة كولومبيا، تم تعريض المشاركين لمواقف تستثير مشاعر مختلفة، مثل الغضب، الخوف، الحزن، والفرح، بهدف قياس تأثير كل منها على أنماط اتخاذ القرار.

وأظهرت النتائج أن الأفراد في حالة الغضب يميلون إلى اتخاذ قرارات أسرع وأكثر مخاطرة، بينما اتجه الأفراد الذين شعروا بالخوف إلى قرارات أكثر حذرًا وأقل مخاطرة. كما بينت الدراسة أن مشاعر السعادة قد تقلل من الانتباه لبعض المخاطر البسيطة، لكنها في الوقت نفسه تهيئ الأفراد لتقبّل التجربة بإيجابية حتى في حال وقوع الخطأ.

الذكاء العاطفي ودوره في ترشيد القرارات:

يبرز مفهوم “الذكاء العاطفي” كأحد أهم الأدوات في توجيه المشاعر نحو قرارات رشيدة. ويُعرّف الذكاء العاطفي بأنه القدرة على التعرف على المشاعر الشخصية، وفهمها، وإدارتها بما يتناسب مع المواقف المختلفة. ويشمل ذلك مهارات متعددة، مثل التعبير الصحي عن المشاعر، وفهم مشاعر الآخرين، والقدرة على ضبط الانفعالات الشخصية بما يخدم الأهداف الفردية والمهنية.

استراتيجيات عملية للتعامل مع المشاعر:

يوصي الخبراء بعدد من الممارسات العملية لتعزيز الوعي العاطفي، من أبرزها “التأمل العاطفي”، الذي يقوم على التوقف عند الشعور القوي وطرح تساؤلات مثل:

ما سبب هذا الشعور؟

هل يرتبط بموقف محدد؟

كيف يمكن التعامل معه بطريقة بناءة؟

كما يُعدّ تدوين المشاعر والأفكار في سجل يومي وسيلة فعالة لتحليل الانفعالات واكتساب وعي تدريجي بها، مما يسهم في إدارة القلق والتوتر بصورة أفضل.

خاتمة:

تمثل المشاعر جزءًا لا يتجزأ من التجربة الإنسانية، فهي تمنح الحياة عمقها وتغني تفاعل الإنسان مع ذاته ومع الآخرين. غير أن توجيه هذه المشاعر بعقلانية ووعي يُعد ضرورة لا غنى عنها لتحقيق الاستقرار النفسي وصناعة قرارات متزنة.

ومن هنا، فإن تنمية الوعي العاطفي والقدرة على إدارة المشاعر ليست خيارًا ثانويًا، بل مهارة أساسية تمكّن الإنسان من بناء حياة أكثر توازنًا وقرارات أكثر حكمة

مشاركة
نشرة صعود البريدية

نشرة صعود البريدية

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة صعود البريدية