في بداية الأسبوع، تطلب زميلة من زميلها مساعدتها في إعداد تقرير معقّد. ينهي معها العمل من دون مقابل، فتشكره بحرارة. الأسبوع التالي يحدث الشيء نفسه، ثم الذي يليه. شيئًا فشيئًا، تختفي عبارات الشكر الطويلة ويحل مكانها سؤال قصير: «هل انتهيت من التقرير؟».
وفي الأسبوع الخامس، يعتذر عن المساعدة بسبب ضغط عمله. هذه المرة لا يسمع شكرًا على الأسابيع السابقة. يسمع اعتراضًا: «كيف تتركني الآن؟ كنت أعتمد عليك».
لم يَعِد هذا الموظف بأن يساعد دائمًا، ولم يتقاضَ أجرًا إضافيًا. ومع ذلك، تغيّرت قراءة الطرف الآخر للعلاقة. كان ما يقدمه بالأمس استثناءً يستحق الامتنان؛ صار اليوم جزءًا من سير العمل المعتاد، وأصبح غيابه محسوسًا أكثر من حضوره. هذا التحول الذي يبدو تناقضًا أخلاقيًا قد يبدأ بآليات نفسية مألوفة: يتعلم الناس ما يتكرر، ويبنون عليه توقعاتهم، ثم يحاكمون الواقع على أساس تلك التوقعات.
حين يصبح المزيد من المساعدة سببًا في تراجع الامتنان
في عام 2024، نشر باحثون هم إيريكا شو، وجيينغ شو، وشو هوانغ دراسةً تحمل عنوانًا استفزازيًا: «زيادة المساعدة تولّد الجحود». لم تكن فكرتهم أن الكرم خطأ، وإنما أن مشاعر متلقي المساعدة قد تتغير مع زيادة ما يحصل عليه عبر الزمن.
وجدت الدراسة الطولية المنشورة في وقائع أكاديمية الإدارة أن ازدياد المساعدة التي يتلقاها الأفراد ارتبط بانخفاض شعورهم بالدَّين المعنوي تجاه المساعد، وبزيادة شعورهم بالاستحقاق، ثم بانخفاض السلوك التبادلي الموجّه إليه. بعبارة أخرى، قد يعطي الشخص أكثر، بينما يصبح متلقي المساعدة أقل ميلًا إلى رد الجميل.
تقدم هذه النتيجة تصحيحًا مهمًا لحدس شائع: أن كل مساعدة إضافية ترفع رصيد الامتنان تلقائيًا. فالمساعدة الأولى قد تُقرأ بوصفها تضحية استثنائية. أما المساعدة الخامسة، فقد يقارنها المتلقي بما جاء قبلها، ويتعامل معها كامتدادٍ للنمط المعروف. هنا يتغير معيار المقارنة، حتى لو لم تتغير نية المساعد ولا القيمة الفعلية لما قدمه.
المفارقة ليست أن الناس ينسون المساعدة بالضرورة؛ بل أن تكرارها قد يغيّر المقياس الذي يحكمون به عليها.
|
كرمٌ واحد قد يحدد مَن سيدفع الفاتورة التالية
تخيّل مديرًا دعا أحد موظفيه إلى القهوة ودفع الحساب. عندما يخرجان للقهوة مجددًا، مَن تتوقع أن يدفع؟ الآن استبدل المدير بصديق مساوٍ في المكانة. هل تتغير إجابتك؟
هذا النوع من الأسئلة يكشف أن تكرار المساعدة ليس التفسير الوحيد. ففي ست تجارب سلوكية نُشرت في مجلة Open Mind عام 2026، درست أليسيا تشن وريبيكا ساكس، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أحكام 599 بالغًا أمريكيًا بشأن العطاء والتبادل. وتوصلتا إلى أن الناس يتوقعون رد الجميل غالبًا في العلاقات المتكافئة، أما في العلاقات غير المتكافئة فيميلون إلى توقع أن يواصل الشخص نفسه العطاء.
599 مشاركًا في 6 تجارب — أظهرت أن توقعات الناس بشأن من سيقدم المساعدة لاحقًا تتبدل تبعًا لبنية العلاقة، حتى عندما لا يتكرر فعل الكرم إلا مرة واحدة.
|
هذه نتيجة أعمق مما تبدو عليه. نحن لا نستنتج المستقبل من الفعل السابق وحده؛ بل نسأل ضمنيًا: مَن هذان الشخصان؟ هل هما صديقان يتبادلان الأدوار؟ أم رئيس ومرؤوس؟ أم قريبان يختلف موقع كل منهما في شبكة العلاقات؟ في بعض السياقات، تصنع المساعدة الأولى «سابقة» اجتماعية، أي قاعدة ضمنية لما قد يتكرر، لا دَينًا ينتظر السداد.
لاحظ أن الباحثتين قاستا توقعات السلوك المستقبلي في مواقف افتراضية وألعاب اقتصادية، ولم تختبرا اتهام صاحب الكرم بالجحود أو التقصير إذا توقف. وهذا الفرق بين توقّع الاستمرار وبين المطالبة به لا يجوز محوه.

لماذا لا يُشبه الامتنانُ الأولَ الامتنانَ الخامس؟
من السهل أن نقول إن الناس «اعتادوا النعمة»، لكن الأبحاث تقدم تعبيرًا أدق. فالمساعدة غير المتوقعة لا تحمل القيمة المادية نفسها التي تحملها المساعدة المتوقعة فقط؛ إنها تنقل أيضًا رسالة عن نية صاحبها واستعداده لتخصيص وقته وموارده للآخر.
في عام 2020، اختبرت أربع دراسات شملت 1,188 مشاركًا كيف يؤثر عنصر المفاجأة في التعبير عن الامتنان. ووجد الباحثون أن المنافع غير المتوقعة ارتبطت بزيادة محدودة في نوع من الشكر يثني على صفات الشخص المُحسن وأفعاله، بالمقارنة مع المنافع المتوقعة. أما نتائج التجارب الفردية فكانت متفاوتة، وكان الأثر الكلي صغيرًا.
الدلالة هنا دقيقة: تقلّ المفاجأة عندما نعتاد العطاء، وقد يتغير معها أسلوب التعبير عن الامتنان.
الخسارة التي لم تكن خسارة من قبل
لنفترض أن أحد الأقارب يقدم لك 100 يورو كل شهر من تلقاء نفسه، من دون اتفاق أو وعد. في الشهر الأول، تعُدّها هدية. بعد سنة، ربما تخطط لميزانيتك على أساس وصول المبلغ. ثم ينقطع. حسابيًا، لم يُقتطع شيء من دخلك المضمون. نفسيًا، قد يبدو الأمر كما لو أنك خسرت 100 يورو.
هذا السيناريو تطبيق تفسيري لفكرة نقطة المرجع في الاقتصاد السلوكي. فقد بيّن دانيال كانيمان وجاك كنتش وريتشارد ثالر في بحثهم الكلاسيكي عن العدالة والاستحقاقات في السوق عام 1986 أن الناس لا يحكمون على عدالة المعاملة في فراغ؛ بل يقارنونها بشروط اعتادوها، وأن الخسارة من الوضع المرجعي قد تبدو أشد ظلمًا من مجرد عدم الحصول على مكسب جديد.
هل يعني هذا أن من يحتاج إلى مساعدة مستمرة شخص جاحد؟
الجواب: لا. ومن دون هذا التمييز، ستتحول الفكرة من تفسير علمي إلى حكم متسرع على الناس. فالعلاقات الإنسانية لا تخضع كلها لدفتر حسابات واحد.
في دراسة كلاسيكية لمارغريت كلارك وجودسون ميلز عام 1979، ميّز الباحثان بين العلاقات القائمة على التبادل، حيث يُنتظر توازن المنافع، والعلاقات الجماعية أو القائمة على الرعاية، حيث تكون الاستجابة لحاجة الآخر هي القاعدة الأهم. قد تكون رعاية الوالد لطفله، على سبيل المثال، متكررة ومتوقعة ومبررة أخلاقيًا؛ ولا يصح وصفها بأنها «استحقاق مرضي» لأنها لم تُقابل برد جميل مادي.
كما أن بعض الناس يبنون اعتمادهم على الدعم اعتمادًا عقلانيًا إذا شجّعهم الطرف الآخر صراحةً على ذلك. وإذا وعدت شركة موظفيها بميزة مستمرة أو تعهّد شخص بإعالة من يعتمد عليه، فالتوقف المفاجئ قد يكون إخلالًا حقيقيًا، لا مجرد شعور متخيَّل بالاستحقاق.
ما الذي أثبتته الدراسات، وما الذي لا يزال سؤالًا مفتوحًا؟
تدعم الأدلة المتاحة عدة حلقات من الظاهرة: ازدياد المساعدة قد يقترن بارتفاع الشعور بالاستحقاق وانخفاض الدَّين المعنوي؛ وفعل كرم واحد قد يخلق توقعًا بتكراره في أنواع معينة من العلاقات؛ كما أن نقطة المرجع والعقود النفسية تساعدان في فهم شعور بعض الأفراد بالخسارة أو الإخلال عندما يتغير النمط المعتاد.
ويبقى سؤال أخير شديد الأهمية : إذا كانت المبادرة الطيبة قادرة على إنشاء توقع لم تقصده، فهل تكفي النية الحسنة وحدها لإدارة أثرها؟
الأبحاث لا تجيب عنا بدلًا منا. لكنها تجعل مسؤوليتنا أوضح:
أن نساعد بصدق، وأن نصف حدود ما نستطيع الاستمرار فيه، قبل أن يتحول صمتنا إلى وعد في ذهن شخص آخر.
التعليقات