نشرة مُلهِم البريدية الموسم الثاني - العدد #18 - توقّد الهمّ، ورشد التدبير.
خطوة نحو الفاعلية
لا تُبنى الأمم باعتزال طلاب العلم للمجتمع ولا التركيز على تهذيب النفس وحده بعيداً عن الواقع؛ فالمعرفة التي يحملها العبد أمانةٌ تقتضي السعي والتسديد والنصح، والتواصل الصادق مع أفراد أُمته وبهذا تصلح الأمم .
فتح عينيه على الدنيا وبلاده مستعمرة، أبصر لغته تُطارد في المدارس، ودينه يحاصر في المساجد، والقوى من حوله تبذل الجهد في تذويب وتفتيت هوية دينه ووطنه، كبر ونشأ وهو في حالةٍ من التسجيل والرصد لحال المجتمع من حوله، ولم يكن طفلاً عاديًا من عوامّ سنه، يكبر ليتعايش مع واقعه، ويتجنّب ألم التغيير قدر استطاعته ويجعل السلامة هدفه، بل كان يكبر ليُبصر، وكلّما أبصر زاد في صدره همًّ الإصلاح والتغيير بزيادة سنوات عمره.
بلغ هذا الطفل أشدّه وأصبح شاباً في زهرة شبابه، فرحل إلى الزيتونة يطلب العلم مستحضراً أنّ هذا العلم هو أول السلاح وبداية الطريق ليعود به إلى بلده، ثمّ واصل الرحلة إلى الحجاز رغبة في الازدياد، فحجّ وزار المدينة المنورة، فأُعجب به علماؤها ورغّبوه في البقاء بجوار الحرم النبوي، إلا إن شيخه نفسه أول من ردّه عن هذا، مذكراً إياه بهمّ وطنه ورغبته في إصلاح بلاده وتطهيرها من يد المستعمر؛ فآثر العودة، وحمل همّ الجزائر على عاتقه، ولم يكن هماً حديثاً، فقد حمل بذرته في صدره منذ صغره.
بدأ ابن باديس رحمه الله رحلته في الإصلاح حيث يبدأ أرباب التغيير، وقادة الإصلاح، فبدأ أول حلقةٍ له في المسجد بما تيسّر، وكان هدفه البارز أن يخرّج أصحاب عقول وفكر ورأي، لا حفظة متون فقط، فمن ارتاد حلقته خرج بمنهج نظر وفكر لا مجرّد معلومة.
وإذا أردنا تحليل جهود ابن باديس – رحمه الله- فيمكن القول بأنّ جهوده كانت مركّزة وموجهة لأساسات إذا صلُحت، سهل ما بعدها، ويمكن تلخيصها في نقاط بارزة:
إصلاح العقيدة، فأول ما تصلح به الأمم وتستقيم به المجتمعات هو استقامة العقيدة، يقول رحمه الله في هذا الباب: " الذي نوجه إليه الاهتمام الأعظم في تربية أنفسنا وتربية غيرنا هو تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق؛ فالباطن أساس الظاهر"، فركّز على أسس الإسلام
الاهتمام بالعلماء والتعليم بكافة أركانه، فقد أدرك ابن باديس رحمه الله أهمية العلم وكيف أن الجهل أول عائق لتقدّم الأمم، فأولى التعليم والعلماء اهتماماً بالغاً، فالعلماء أكبر مؤثر في المجتمع وبتوجيههم ينطلق الناس ويحجمون، بل شبههم بالقلب فإذا صلحوا صلحت الأمة وإذا فسدوا فسدت، وركّز جهوده في إصلاح التعليم والبحث عن الفرص الممكنة والمتاحة في ظلّ المستعمر، وحثّ العلماء على بذل جهدهم ما استطاعوا، كما حثّ على تعليم النساء في زمنٍ حُرمت فيه المرأة من حقّ التعليم وركّز على أهمية ذلك كون النساء أهمّ من يربي النشء وأهم من يستخدم هذا العلم في التربية والإعداد.
أولى رحمه الله فئة الشباب اهتماماً خاصاً، فكان يرى أنه لا قيمة كبيرة للإصلاح إذا لم يتوجه إلى فئة الشباب، لأنهم من سيحمل الراية بعد حين، فتوجه بالدعوة إلى الاهتمام بهذه الفئة، وفتح لهم المدارس وأنشأ لهم دروساً ومحاضرات خاصة بهم وأشركهم في الجمعيات، وحرص على القرب منهم.
وإذا تأملنا سيرة الشيخ ابن باديس رحمه الله، فإنه قد جمع ثنائية كانت سبباً بعد توفيق الله في كونه مصلحاً مؤثراً فعالاً في زمنه ومجتمعه، أولهما: همُ متقد، يحمله حملاً على البذل والسعي ليصل إلى تحقيق ما في نفسه من رغبةٍ سامية، وثانيهما: رشدٌ وحكمة في التدبير، فلم يكن يعمل بشكل عشوائي أو ينطلق من منطلقات عاطفية محضة، بل فكّر ودبّر وتأمل واستشار، حتى يعمل على بينة، ويوجه موارده وطاقاته للأهمّ فالأهم وهذا مما يعطّل الكثير من المصلحين.
رحمة الله عليه رحمة واسعة، ومن المهم أن يتيقن كل مريد للتغيير والإصلاح أنّ الهدف ليس الوصول إلى نتيجة محقَّقة وإنما الهدف بذل الوسع واستبراء الذمّة، فإن الله لا يثيب النتيجة والثمرة، وإنما يثيب بواسع كرمه على كلّ بذل وكل سعي ونيّة صالحة.
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات